إحباط اقتصادي وقهر سياسي.. ورود «مياس» هل ترمم جراح «الموجوعين» في لبنان؟

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

في وقت تعصف ببلادهم أزمة اقتصادية "خانقة" وحالة سياسية "قاهرة"، احتفل آلاف اللبنانيين بفرقة "ميّاس" التي حصدت المركز الأول في نهائيات أشهر برنامج مواهب "أمريكا غات تالنت"، فيما ذهب العشرات منهم إلى مطار بيروت الدولى حاملين الورود لاستقبال فرقة غدت مصدر فخر لجميع اللبنانيين.

وشكّل انتصار "ميّاس" محطة فارقة من الوحدة في لبنان، إلا أن الفرقة لم تكن على ما يبدو، ببعيدة عن المشهد السياسي والاقتصادي المتأزم في البلاد، فمنذ لحظة وصولها إلى مطار بيروت الدولي أمس الجمعة، انهال نديم شرفان، مؤسّس الفرقة ومُصمّم رقصاتها، نقداً وتنديداً بالطبقة السياسيّة، داعيا إلى "ثورة" في لبنان.

ويشعر شرفان، كما كل "الموجوعين" في لبنان باستياء من الوضع الاقتصادي المتدهور والفراغ السياسي "المزري" في البلاد، ولخص شرفان موقفه بعبارات غاضبة نقلتها وكالة "فرانس برس"، عن لسانه حيث قال: "نحن لسنا بحاجة إلى السياسيين.. وعلى المواطنين أن يُحطّموا البنوك كلها وأن يقلبوا الطاولات على رؤوس جميع السياسيّين".
وخاطب شرفان، الطبقة السياسية قائلا: "واجبكم إطعام الناس الجائعة وتأمين الكهرباء".

إحباط

وفي مؤشّر إلى تصاعد السخط الشعبي من الوضع الاقتصادي السيء في البلاد، اقتحم مودعون أمس الجمعة خمسة بنوك للمطالبة باستعادة مدخراتهم المجمدة في النظام المصرفي، وذلك ضمن موجة من الاقتحامات انطلقت على مدار أسبوع، مدفوعة بحالة إحباط بسبب الانهيار المالي المتفاقم.

واقتحم المحتجون، سبعة بنوك في المجمل منذ الأربعاء الماضي، وفق رويترز" حيث تحتجز البنوك التجارية معظم أموال المودعين منذ تفجر أزمة اقتصادية قبل ثلاث سنوات، ما جعل العديد من السكان غير قادرين على دفع تكلفة أساسيات الحياة.

وحظيت حوادث اقتحام البنوك بدعم شعبي في الشارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.
استنابة
وفي نظر القضاء، فقد اعتبرت كل هذه الحوادث "اجرامية"، بحسب وصفه، لذلك أصدر النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات في لبنان، أمس الجمعة، استنابة قضائية لكل الأجهزه الأمنية بملاحقة الأعمال الإجرامية المرتكبة داخل فروع عدة مصارف في البلاد.

وقضت الاستنابة القضائية بالعمل "على توقيف المرتكبين وإحالتهم لديه، والعمل على كشف مدى ارتباطهم ببعض وتوقيف المحرضين، باعتبار هذه الأفعال تشكل بتفاصيلها عمليات سطو مسلح على المصارف وغايتها توقف العمل المصرفي في لبنان وإحداث مزيد من أزمات مالية واقتصادية".

وأبلغ المحامي العام التمييزي القاضي غسان الخوري مضمون الاستنابه إلى مجلس الأمن المركزي، بحسب وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) أثناء اجتماعه لبحث الإجراءات الموجب اتخاذها في هذا الصدد.

رفع الدعم
وبعد مسار طويل من التخفيض التدريجي لدعم البنزين، قرر المصرف المركزي اللبناني، رفع الدعم الكلي عنه، فارتفع سعر الصفيحة، 20 ألف ليرة، لتصل إلى 638 ألف ليرة لعيار 95 أوكتان، و653 لعيار 98 أوكتان.

وكانت هذه الخطوة بمثابة، رصاصة الرحمة التي على كل إمكانات المواطنين وصمود الذين يعملون في وطنهم؛ فمنذ أن بدأت الحكومة في رفع الدعم التدريجي عن المحروقات والغاز المنزلي، ارتفعت كل الأسعار ولم يعد راتب الموظف، وفق مراقبين، يكفي لدفع فاتورة بدل النقل، ورسوم مولد الكهرباء، وصار اللبناني، رهينة سعر النفط العالمي، وسعر الدولار في السوق السوداء، وسعر صفيحة البنزين بالدولار.

ولمن لا يتذكر؛ فقد ارتفع سعر صحيفة البنزين في لبنان 16 ضعفاً، خلال عام واحد فقط، بحسب "الدولية للمعلومات" إذ شرحت "في 15 يونيو الماضي، وصل سعر الصفيحة منه عيار 95 أوكتان إلى 691 ألف ليرة بينما كان السعر قبل سنة، 43,500 ليرة أي بارتفاع خلال سنة مقداره 647,500 ليرة ونسبة 1,488 في المئة".

وفرض ارتفاع سعر صفيحة البنزين على اللبنانيين تخفيض استهلاكهم لهذه المادة، حيث وصل متوسط الاستهلاك اليومي إلى 328 ألف صفحة يومياً عام 2021، وتراجع إلى 281 صحيفة يوميا عام 2022، بانخفاض مقداره 47 ألف صفيحة ونسبته 14.3 في المئة".

وسيشهد استهلاك البنزين مزيداً من التراجع، بعد رفع الدعم الكلي عنه، ما ينعكس، وفق مراقبين انهيارا على اللبنانيين، الذين أصبحوا يحسبون مسافة تنقلاتهم وتكلفتها على جيوبهم.

اكتمال المشهد

ولكي يكتمل "مشهد الأزمة"، فقد علق مجلس النواب أمس الجمعة المناقشات الخاصة بميزانية عام 2022 بعدما تسبب انسحاب نواب في فقدان النصاب القانوني، الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من التأخير في جهود استكمال المتطلبات اللازمة للحصول على تمويل من صندوق النقد الدولي لتخفيف الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

وخرجت مجموعة من النواب، من بينهم برلمانيون جرى التصويت لهم في الانتخابات الأخيرة بعدما تبنوا برامج إصلاحية، بسبب المناقشات التي وصفوها بالفوضوية.

وقالت النائبة في المجلس للمرة الأولى حليمة القعقور لرويترز إن المناقشات غير دستورية وفوضوية، مضيفة أن نوابا آخرين كانوا يطالبون بتغيير بنود وإضافة أخرى دون دراسة أي شيء.

ورفع رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة إلى يوم الاثنين 26 سبتمبر الجاري، بعد عودة رئيس الوزراء نجيب ميقاتي من رحلتين، إلى لندن لحضور جنازة الملكة إليزابيث، ونيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ودعا اتفاق على مستوى الخبراء في أبريل نيسان بين الحكومة اللبنانية وصندوق النقد الدولي السلطات إلى زيادة الإيرادات لتمويل القطاع العام المتعثر وزيادة الإنفاق الاجتماعي من خلال احتساب الرسوم الجمركية عند "سعر صرف موحد".

ولا تزال السلطات اللبنانية تحسب الرسوم الجمركية- وهي مصدر رئيسي لإيرادات الدولة- عند سعر الربط القديم البالغ 1505 ليرات لبنانية للدولار.

وسبق أن ناقش مجلس النواب إعادة احتسابها عند ما يتراوح بين 12 و14 ألف ليرة للدولار، رغم أن سعر السوق كان اليوم الجمعة عند 38 ألف ليرة.

وعبر وزير الاقتصاد اللبناني لرويترز عن قلقه البالغ من أن الموازنة لن تُرضي صندوق النقد الدولي.

إصلاحات بطيئة

وفي ظل الأزمات المتتالية التي يفترض أن تجد الطبقة السياسية حلولا لها، فلم يحقق لبنان تقدما يذكر لتلبية المتطلبات العشرة لصندوق النقد الدولي بسبب اعتراضات من كتل سياسية وبنوك تجارية ومجموعات ضغط خاصة قوية.

وينتظر اللبنانيون قانون ضوابط رأس المال، الذي ما زال قيد المناقشة من قبل البرلمان. وفي غيابه، فرضت البنوك قيودا أحادية على معظم المودعين، وسمحت لهم باسترداد مبالغ محدودة كل أسبوع بالدولار الأمريكي أو الليرة اللبنانية.

وتقل قيمة السحوبات بالليرة اللبنانية، إذ فقدت العملة المحلية أكثر من 95 بالمئة من قيمتها منذ عام 2019، واقتربت من مستوى منخفض جديد عند حوالي 38 ألفا مقابل الدولار حتى نهاية هذا الأسبوع.

وتفرض المصارف اللبنانية منذ خريف 2019 قيوداً مشددة على سحب الودائع تزايدت شيئاً فشيئاً، حتى أصبح من شبه المستحيل على المودعين التصرّف بأموالهم، خصوصا تلك المودعة بالدولار الأميركي، مع تراجع قيمة الليرة أكثر من تسعين في المئة أمام الدولار. وصنّف البنك الدولي أزمة لبنان الاقتصادية من بين الأسوأ في العالم منذ العام 1850.

ويشهد لبنان منذ صيف 2019 أزمة اقتصادية حادة، صنفها البنك الدولي بين الأسوأ في العالم منذ عام 1850، حيث فقدت الليرة نحو 90 بالمئة من قيمتها، نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، كما دفعت الأزمة أكثر من 80 بالمئة من سكان البلاد إلى الفقر وأفرغ خزينة الدولة، دون نهاية تلوح في الأفق.
 

 

طباعة Email