سوريا والعراق.. التصحر يتمدد

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

ظروف أمنية سيئة وأوضاع اقتصادية متردية تعيشها كل من سوريا والعراق، واليوم يضاف إليها أزمات بيئية تتجسد في نقص المخزون المائي وقلة الأمطار، ما ينذر بمشاكل جفاف مرتقبة بدأت تظهر ملامحها، والقادم قد يكون أسوأ مع احتمال تهجير الملايين من أراضيهم وتوقف الكثير من المزروعات.

 

وبحسب تقرير لوكالة ناسا الأمريكية، فإن الجفاف الذي بدأ عام 1998، ويستمر حتى الآن في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، من المحتمل أن يكون الأسوأ خلال القرون التسعة الماضية، وعلى ما يبدو تعكس الأرقام الحالية هذه المخاوف، فخلال عام 2021 وصلت معدلات هطول الأمطار في سوريا إلى 140 ملم، وبمقارنتها بما سبقها من أعوام فإنها نسبة منخفضة، فقد كان المعدل فيما سبق يقف عند حدود 400 ملم، وهذه الأرقام دفعت الحكومة السورية للإعلان أن البلاد تواجه «أخطر عام من ناحية انخفاض معدلات الهطل المطري والجفاف والتغيرات المناخية منذ العام 1953، لأنه جاء على جميع المحافظات»، وقال وزير الزراعة محمد حسان قطنا: «انخفاض معدل الهطولات المطرية أدى إلى انخفاض كميات المياه المخزنة في السدود إلى نسبة 52%، وانخفاض المياه الجوفية إلى حدود حرجة، وخروج المساحات المزروعة بعلاً وعدم وصولها إلى مرحلة الإنتاش (الإنبات)، وبالتالي خسارتها».

وطبعاً موجة الجفاف السورية ليست الأولى، إذ تعرّضت لموجات متتالية، حيث تناقصت معدلات هطول الأمطار إلى حوالي النصف في معظم مناطق سوريا خلال مواسم: 1990 – 1991، و1998 – 1999، و2007 – 2008، 2016 – 2017، 2020 – 2021.

عوامل أمنية

ولا تقتصر مشاكل الجفاف على تراجع الهاطل المطري، فثمة أسباب سياسية وعسكرية كانت وراء ازدياد هذه الأزمة وتعمقها، ويشرح الصحافي المختص في قضايا البيئة زاهر هاشم، أن النزاع في سوريا أسفر عن تدمير مرافق المياه الصالحة للشرب، كما أسفر عن تعذر عمليات صيانة محطات ضخ المياه ونقص الأيدي العاملة والخبيرة بسبب الهجرة والتهجير القسري، فضلاً عن تدمير وتعطل محطات الكهرباء ونقص المحروقات، والذي أدى إلى توقف ضخ مياه الشرب لمناطق كثيرة، ومن آثار الصراع توقف محطات معالجة مياه الصرف الصحي أدى إلى تلويث التربة والمياه الجوفية التي أصبحت غير صالحة للشرب أو الاستخدامات المنزلية والري.

كل ذلك عوامل زادت من سوء الواقع المائي في البلاد وحملت مخاطر تهجير جديدة قد تطال الملايين في المناطق الزراعية، كما أن تقاطع هذه الظروف مع الجفاف يهدد الواقع الزراعي في البلاد. وبحسب المهندسة رويدة النهار، مدير السلامة البيئية في وزارة الإدارة المحلية والبيئة، فإن ظاهرة الجفاف من التحديات الأساسية التي تؤثر على التنمية في سوريا، ويمكن رؤية تأثير الجفاف في كل النشاطات، خاصة الزراعية والاقتصادية والاجتماعية بدرجات مختلفة، لافتة إلى أنه من الصفات الرئيسية للجفاف في سوريا عدم إمكانية التنبؤ به بشكل مباشر. وأشارت إلى أن سوريا تعاني من آثار تغير المناخ، حيث تتعرّض لأسوأ موجة جفاف منذ سبعين عاماً نتيجة انحباس الأمطار في معظم المناطق، وفي مناطق أخرى كالمناطق الساحلية التي تتعرّض للعواصف المطرية، ما أدى إلى أضرار بالمحاصيل والمزارعين، بالإضافة إلى موجات الحر العالية في بعض المناطق.

بحيرات جافة

ولم تسلم السدود من هذه الظروف السيئة، فثمة سدود مهددة بالإغلاق والجفاف الكامل، ولعل أبرز السدود التي طالها الجفاف سد الدويسات الواقع في منطقة دركوش بريف إدلب، وقال المهندس المسؤول عن السد ماهر الحسين: «إنها المرة الأولى التي تجف فيها مياه السد منذ بنائه عام 1994»، مضيفاً: «بسبب الجفاف وقلة الأمطار بات بإمكاننا اليوم أن نمشي سيراً على الأقدام في جسم البحيرة». كما يقول سلمان بارودو الرئيس المشترك لهيئة الاقتصاد والزراعة في «الإدارة الذاتية» شمال شرق سوريا: «حال استمر الجفاف الذي بدأ منذ العام الماضي يضرب شمال شرقي سوريا فنحن نسير نحو كارثة بيئية قد تضرب المنطقة التي تعتمد 80% على الزراعة، ما سيؤثر سلباً وبلا شك على الواقع الاقتصادي والتجاري والزراعي والاجتماعي وصولاً إلى الوضع الأمني والإنساني».

ويضيف بارودو: «انقطاع الأمطار وانخفاض منسوب نهر الفرات الذي يعتبر المصدر البديل للأراضي الزراعية المروية شمال شرقي سوريا كانا عاملين مترادفين لتعميق الأزمة، إضافة لانخفاض منسوب نهري البليخ والخابور الواقعين في الرقة والحسكة، ما دفع الأهالي للاستخدام الجائر للآبار، وبالتالي انخفض منسوب المياه الجوفية وازدادت ملوحتها ولم تعد صالحة للشرب، مما زاد من مفاقمة الأمر وقلل خيارات الحل».

العراق.. منطقة حمراء

الحال ليس أفضل في العراق، إذ أظهرت صور التقطت من مناطق مختلفة سواء في دهوك (شمالاً) ومحافظة ذي قار جنوبي البلاد، جفافاً قاحلاً وتربة متعطشة، وأنهاراً منحسرة. وأظهر تصوير جوي بالقرب من سد دهوك، بقايا قرية «غاري كسروكة» التي عادت إلى الظهور جزئياً مؤخراً، إثر انخفاض كبير في منسوب السد بسبب الجفاف، بعد أن هُجرت عام 1985، كما استفحل الجفاف في أكثر من 70 قريةً جنوب العراق وسط صيف حار من دون مياه.

يقول مستشار لجنة الزراعة في مجلس النواب عادل المختار: «دخلنا إلى منطقة الخطر الحمراء.. نحن نرى حيوانات تنفق بسبب هذه الأزمة ونشهد عوامل مناخية متقلبة إلى جانب التلوث الكبير واتساع رقعة التصحر.. هذه حركة سريعة لتدهور القطاع الزراعي».

وبحسب المدير الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة سامي ديماس، يشهد العراق مظاهر لقلة الأمطار وتأثيرها في مناسيب نهري دجلة والفرات بنسب وصلت إلى 73%.

وتتعمق مشاكل العراق نتيجة الإدارة الأحادية للموارد المائية في دولتي المنبع، إيران وتركيا. فقد أسهم سد «إليسو» الذي أقامته تركيا على نهر دجلة، في خفض حصص العراق المائية بشكل كبير وصلت إلى 53%. أما المشكلة مع إيران، فهي اقتطاعها روافد نهر دجلة التي يبلغ عددها 42 رافداً، ما تسبب في انخفاض منسوب المياه نحو العراق بأكثر من 75%.

طباعة Email