لبنان.. تشابك الترسيم الحدودي بالاستحقاقين الرئاسي والحكومي

ت + ت - الحجم الطبيعي

غداة بدء العدّ العكسي لمهلة الـ60 يوماً لانتخاب الرئيس الـ14 للبنان، منتصف ليل الأربعاء- الخميس الماضيين، بدأت معادلة «التشابك» بين الاستحقاقيْن الحكومي والرئاسي العالقين تأخذ مكانها المتّسع، في حين يسود المشهد الداخلي ترقّب توقيت توجيه رئيس مجلس النوّاب نبيه بري الدعوة الأولى إلى المجلس للانعقاد وانتخاب رئيس الجمهورية الجديد، والتي يتردّد أنّها لن تكون قبل منتصف المهلة الدستوريّة، مع ما يعنيه الأمر من استمرار مساعي التأليف الحكومي. ومن هنا، فإنّ اللعبة ستصبح بيد بري، لأنّه متى دعا المجلس يتحوّل عندها إلى هيئة ناخبة، ولن يكون بمقدور النوّاب التشريع أو منح أيّ حكومة جديدة الثقة، وهذا ما سيشكّل عاملاً ضاغطاً على الرئيس ميشال عون ورئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي للإٍسراع في التأليف قبل توجيه بري الدعوة للبدء بدورات الانتخاب الرئاسي.

ولعلّ اللافت في هذا السياق أنّ المواقف الخارجية من القضايا والملفات المتصلة بالوضع في لبنان لم تبدأ بالتعامل معه بعد على قاعدة سريان المهلة الدستورية للاستحقاق الرئاسي، إذ لا يزال التريّث الخارجي يطغى على هذا التعامل إلا من باب تشديد معظم الدول على ضرورة إتمام انتخاب رئيس للجمهورية ضمن الموعد الدستوري.

تزامناً، اتجهت الأنظار إلى دلالات الموقف الأمريكي الداعم نحو تحريك ملفّ ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل في الأسابيع المقبلة، على نحو ما طلب الرئيس جو بايدن من رئيس الوزراء الإسرائيلي يائيير لابيد في اتصال بينهما. وفي حين بات في حكم المؤكد أن لبنان ينتظر أجوبة حاسمة حيال الموقف الإسرائيلي من المطالب اللبنانية، في الزيارة المرتقبة للوسيط الأمريكي في ملفّ الترسيم آموس هوكشتاين لدى زيارته المقبلة لبيروت، والتي تردّد أنها ستحصل بعد نحو أسبوع، ترددت معطيات مفادها بأنّ الأخير لن يحمل معه قبولاً نهائياً ولا رفضاً مبدئياً للطرح اللبناني من الجانب الإسرائيلي، إنّما سيكون هناك تجديد للنوايا الجدية والإيجابية وتصميم على التوصل إلى اتفاقية ترضي الجانبين اللبناني والإسرائيلي، لكن مع التأكيد في الوقت عينه على أنّ الوساطة الأمريكية في الترسيم لن تكون خاضعة لأي ضغط زمني تحت طائل التهديد والتصعيد.

أمّا في المشهد الداخلي، فانتفت كلّ التحركات المتصلة بالوضع الحكومي، إذ لا تزال المواقف على حالها حول الصيغة الحكوميّة المنتظرة، في حين تصدّر الاستحقاق الرئاسي المشهد، فارضاً إيقاعه على الاستحقاق الحكومي، تسليماً بقضاء الشغور وقدره المحتوم في سدّة الرئاسة الأولى، بما يحتّم تالياً إعادة تشكيل الحكومة القائمة، أي حكومة تصريف الأعمال، لتكون كاملة الصلاحيات، وقادرة خلال فترة الفراغ الرئاسي على اتخاذ القرارات، بالأصالة عن نفسها وبالوكالة عن رئيس الجمهورية، إزاء مجمل الملفات والتحديات الداهمة، وفي طليعتها اتفاقية الترسيم الحدودي البحري مع إٍسرائيل، خصوصاً في ظل التيقّن من أنّ «مهلة سبتمبر» سقطت، والتوقيع على هذه الاتفاقية بات شبه مستحيل في ما تبقّى من ولاية عهد الرئيس عون. علماً أنّ اللقاء الخامس الذي جمع عون وميقاتي، الأربعاء الماضي، انتهى كما بدأ.

وإلى الاستعصاء الحكومي، فإنّ ثمّة إجماعاً على أنّ الغموض الواسع الذي يغلّف آفاق الانتخابات الرئاسية ليس مرشّحاً للتبدّد في وقت قريب، بل إنّ التعقيدات الداخلية التي تطبق على مجمل المشهد السياسي والرئاسي مرشحة للتفاقم تباعاً، وذلك في ظلّ حالة التباعد والانقسام العميق التي تسود المناخ الداخلي، وتمنع الاسترسال في أيّ توقعات متفائلة باستحقاق رئاسي يوفّر انتقالاً سلساً للسلطة. أما على الجانب الآخر، فكلامٌ عن أن لا مؤشرات إلى أن بري سيدعو قريباً إلى جلسة الانتخاب، إذْ أنّ الظروف المحلية والإقليمية والدولية لم تسمح بعد بتظهير «بروفايل» الشخصية التي ستتولّى إدارة شؤون البلاد في الأعوام الستة المقبلة.

طباعة Email