الحكومة والرئاسة وترسيم الحدود في لبنان.. تحديات أم استحقاقات

ت + ت - الحجم الطبيعي

باتت الصورة اللبنانيّة مربوطة بـ 3 استحقاقات كبرى، من شأنها أن تحدّد الوجهة التي ستسلكها الأزمة الداخلية، إنْ في اتجاه انفراج يتوق إليه اللبنانيّون، ويضع حدّاً للواقع المأساوي الذي يعيشونه، اقتصادياً ومالياً واجتماعياً وحياتياً، أو في اتجاه انفجار كارثي، يعمّق هذه الأزمة أكثر، ويُفاقم من آثارها المدمّرة على كلّ المستويات. وذلك، بدءاً من الاستحقاق الحكومي، تكليفاً وتأليفاً، مروراً باستحقاق ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل، ووصولاً إلى استحقاق الانتخابات الرئاسيّة، التي يُفترض أن تجري خلال الـ 60 يوماً الفاصلة عن انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون في 31 أكتوبر المقبل.

وعليه، ارتفع منسوب الكلام على أنّ لبنان بات «وجهاً لوجه» مع معالم «معركتيْن»، بين حدَّين لا ثالث لهما: لملمة الوضع اللبناني، أو ترك الفراغ ليطول ويتمدّد، وصولاً، ربّما، إلى نهاية العهد الحالي. والبداية من الاستحقاق الحكومي، المحكوم بعبور محطّتيْن، تطوّق كلاً منهما تعقيدات وحسابات سياسيّة متناقضة، تعزّز احتمالات العسْر في هذا الملفّ، أكثر من احتمالات اليسْر: المحطّة الأولى تقع على مسافة أيام قليلة، ويُفترض أن تحسمها استشارات الخميس المقبل، لتسمية رئيس حكومة ما بعد الانتخابات. أمّا المحطة الثانية، فهي محطة التأليف، حيث إنّ الأجواء السابقة لها، تؤشّر إلى مرحلة من التجاذب العقيم حيال الحصص والأحجام داخل الحكومة الجديدة. علماً بأنّ الجميع مدرك أنّ «التكليف شيء، والتأليف شيء آخر»، في ظلّ التجارب التاريخية المريرة مع العهد الحالي، على امتداد الاستحقاقات الحكوميّة السابقة.

وعلى ما تؤشر الأجواء السّابقة لاستشارات الخميس، فإنّ عبور محطة التكليف، دونه ما يمكن تسميتها بـ «حرب صامتة»، تدور حول الشخصية التي سيرسو عليها التكليف، مع ما يعنيه الأمر من كوْن الاتصالات الجارية على هذا الصعيد، تبدو كأنّها «عالقة» في بازار مفتعل، يسعى من خلاله بعض الأطراف إلى «تفصيل» رئيس مكلّف تشكيل الحكومة، على مقاس شروطه ومواصفاته. علماً بأنّ نجيب ميقاتي هو المتصدّر الوحيد في نادي المرشّحين لرئاسة الحكومة، سواءً لأسباب خارجيّة متّصلة بالدعم الفرنسي والأمريكي المستمرّ لإعادة تكليفه، أو لأسباب داخلية، مردّها بشكل أساس، إلى بورصة الأسماء المحدودة، التي تمّ التداول بها في الأيام الأخيرة، والتي لم تحمل اسماً موازياً، له يمكن أن تلتقي حوله أكثريّة نيابيّة معيّنة، تسمّيه في استشارات الخميس، ما يعني، وبحسب تأكيد مصادر لـ «البيان»، أنّ تكليف ميقاتي بات شبه محسوم، الخميس المقبل. أمّا في ما يخصّ محطّة التأليف، فإنّ الصراع سيتبدّى بين فريق يتمسّك بإبقاء التوزيعة الوزاريّة على نحو ما هي عليه في حكومة تصريف الأعمال الحالية، وفريق آخر يشدّد على أن تأتي الحكومة مُلبية للمتغيّرات التي شهدها لبنان مع الانتخابات النيابية الأخيرة، والتي توجِب أن يُستفاد من خلل المرحلة السابقة، وإدخال دمّ جديد إلى الحكومة، من نوّاب تغييريّين أو مستقلّين.

وعلى ضفّة ترسيم حدوده البحريّة الجنوبيّة، رسم لبنان «خطّه الشفهي»، وفق معادلة «التنازل الخطّي عند الترسيم»، فانتقل إلى مرحلة استخراج الردّ من عمق البحر الإسرائيلي، عبر الوسيط الأمريكي، آموس هوكشتاين، بعد إبلاغه شفهيّاً قرار اعتماد «الخطّ 23» مستقيماً، مع ضمّ «حقل قانا» كاملاً إلى سيادته. كما طلب لبنان استكمال المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل، برعاية أمميّة ووساطة أمريكيّة، وصولاً إلى تكريس الخطّ الجديد بشكل قانوني، في حال وافق الإسرائيلي على المقترح، مع تجميد أيّ عمل استثماري في «حقل كاريش»، إلى حين إنجاز التفاوض.

وللمرّة الأولى في تاريخ زياراته إلى بيروت، كان هوكشتاين سمع، الثلاثاء الماضي، موقفاً لبنانياً موحّداً من المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل، حول ترسيم الحدود البحريّة بين البلديْن، بحدود عدم التنازل عن أيّ من المساحة اللبنانيّة البحريّة، فأعطى نفسه مهلة أسبوع، لكي يعود بالجواب. هذا في الشكل. أمّا المضمون، فمتروك للأيام المقبلة، التي ستكثر فيها التحليلات والاستنتاجات أكثر فأكثر، في انتظار الخبر اليقين. أمّا الاستحقاق الثالث، المحجوب بسحابة كثيفة من الغيوم السياسيّة، فمتعلّق بالانتخابات الرئاسيّة، التي يُفترض أن تجري خلال الـ 60 يوماً الفاصلة عن انتهاء ولاية عون (31 أكتوبر المقبل)، وتحديداً اعتباراً من 31 أغسطس المقبل، حيث يدخل البلد في مدار المهلة الدستوريّة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية.

 

طباعة Email