طارق وشادي اللبنانيان.. مأساة إغريقية على الأراضي الإيطالية

ت + ت - الحجم الطبيعي

شادي كريدي وطارق طيّاح رجلا أعمال في شركة «إندفكو الصناعية»، حملتهما روح الريادة اللبنانية للسفر إلى إيطاليا، أواخر الأسبوع الماضي، للمشاركة في مؤتمر، وللاطلاع على التقنيات الحديثة في مجال عملهما، وتحديداً في صناعة الورق، لكنهما قُتلا بعد تحطّم مروحية كانا على متنها مع خمسة آخرين. ولسوء حظهما أيضاً، فإنّ زوجة طارق كانت قضت في انفجار مرفأ بيروت قبل نحو عام و10 أشهر، وتحديداً في 4 أغسطس من العام 2020.

هو هول المأساة التي حلّت بعائلتين لبنانيتين ليس بعده هول: عائلة أولى فقدت الأب والزوج، والعمّ الذي فُجِع قبل مدّة برحيل شقيقه، ليصبح مسؤولاً عن عائلتين، في ظروف أقلّ ما يُقال عنها أنّها الأصعب في تاريخ لبنان، وعائلة ثانية فقدت الأب بحادث سقوط الطوّافة، بعدما فقدت الأم بانفجار المرفأ، وهذا ما يفوق أيّ قدرة على الوصف أو الاحتمال. وتدريجياً، راحت تكتمل عناصر خبر رحيلهما بعد تحطّم المروحية التي كانت تقلّهما، فوق جبال مونتي كوسنا، التي ترتفع 2121 متراً، وتُعرف باسم «الرجل الميت» أو «الرجل النائم» أو «العملاق». إنّها بشكل رجل، فيما الغريب حقاً بعض الأقدار والتقاء المعاني في الرحيل.

وما بين المشهدين، وقف الرجل السبعيني «أبو فراس» أمام أطلال مرفأ بيروت باكياً، ومتحسّراً على ما آل إليه حال اللبناني، أمّا في كارثة تحطّم المروحيّة الإيطاليّة في أعالي «مونتي كوسنا» (جبال الألب)، فنال نصيبيْن من سبعة: طارق طيّاح (1962) وشادي كريدي (1975)، الأوّل فقد زوجته في انفجار المرفأ، ولم يكن يعلم أنّ الفيديو الذي أرسله إلى ابنه، من المروحيّة، سيكون الفيديو الأخير، فيما الثاني، ربّ العائلتين، عائلته وعائلة شقيقه صخر، لم يكن يعلم أنّ الموت سيأخذه بعيداً من «العاقورة» إلى إيطاليا، ولكلّ واحد منهما قصّته وأطفاله ووجعه.

وفيما الترتيبات قائمة لإعادة جثمانيهما إلى لبنان، بعد الانتهاء من التحقيقات في شأن سقوط المروحيّة، وفيما المسؤولية وقعت على سوء الأحوال الجويّة، فإنّ على المقلب الآخر من الحادثة المأساويّة كلامٌ ضجّت به مواقع التواصل الاجتماعي، عن أنّ طارق وشادي كـ«المأساة الإغريقية»، تاركيْن دموعاً حارقة ذرفها مَن عرفهما ومَن لم يعرفهما، فـ«كلّ لبناني شعر أنّه فقد شيئاً في فقدانهما: الأبويْن والمديريْن»، وذلك في سياق «حكاية اللبناني مع مآسيَ لا تنتهي»، و«كأنّ مآسينا في لبنان لا تكفينا، حتى تلاحقنا المآسي إلى إيطاليا». ومن وحي هذه الحادثة، كتبت ربى على صفحتها في «فيسبوك»: «طارق وشادي، اسمان أصبحا على كلّ شفة ولسان. لم ننتبه قبل عامين، في 4 أغسطس 2020، إلى وجع طارق لخسارته زوجته، مصمّمة المجوهرات هلا، في تفجير مرفأ بيروت. كما لم ننتبه قبل عامين أيضاً، في يونيو 2020، إلى وجع شادي لموت شقيقه المهندس صخر دهساً تحت دواليب جرّار زراعي. حادثتان حوّلتا حياة الرجلين، كما العائلتين، إلى سواد قاتم دامٍ. ومنذ أيام، ارتاح طارق وشادي من آلامهما الشديدة، لكنّهما تركا وراءهما أطفالاً ما زالوا بحاجة ماسّة إلى سندٍ وكتف ليكبروا في حياة ليست غالباً عادلة. اسألوهم، اسألوا أولاد طارق وهلا، طارق جونيور وتيا ماريا وتمارا، واسألوا أمّ صخر (الوالدة التي خسرت ولديها على التوالي صخر وشادي) وأولاد شادي الأربعة وأولاد شقيقه صخر الثلاثة، وستسمعون جواباً واحداً: حتى دقّات قلوبنا باتت تؤلمنا»!

وفي محصّلة المشهد، باتت تمارا طارق طيّاح، أو «تم تم»، كما كان يناديها والداها، بلا أب ولا أم، ولم تجد أمامها سوى الكتابة لوالدها تنعيه: «لست أدري ماذا فعلت كي أستحقّ كلّ هذا. أرقد بسلام يا أبي. أحبّك كثيراً». عبارة وصلت إلى مسامع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي قدّمت له تمارا يوم جاء إلى لبنان خريطة لبنان مذهّبة صنع والدتها، ضمن مجموعة «أبقِ لبنان قريباً من قلبك»، فقال لها عبر صفحة الفيسبوك الرسمية الخاصّة به: «أنا معك».

طباعة Email