مصر تتطلّع لدورة تحدِث أثراً مباشراً في التصدي لتغير المناخ

«كوب 27».. قمة التنفيذ لا التعهدات

ت + ت - الحجم الطبيعي

تحظى الدورة المقبلة لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ (كوب 27) المقرر عقدها في نوفمبر المقبل، بأهمية عالمية، والآمال معلقة على إسهام المؤتمر في تقديم خطوات حاسمة بشأن التغيرات المناخية. وجاءت الاستعدادات المصرية لاحتضانه في مدينة شرم الشيخ، وهي استعدادات، تؤكد فيها مصر تطلعها إلى إحداث نقلة نوعية في العمل المناخي والانتقال من التعهدات إلى التنفيذ.

تحتضن مدينة شرم الشيخ المصرية في نوفمبر المقبل، الدورة الـ27 لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المُناخ، وهي قمّة يُعول عليها في تقديم خطوات حاسمة وجادة بشأن التغير المناخي وسبل البناء على ما تم التوصل إليه في الدورة السابقة (غلاسكو - كوب 26) وطرح مبادرات جديدة تدخل حيز التنفيذ.

ترتكز الرؤية المصرية المرتبطة بالجوانب الموضوعية لقمة المناخ المرتقبة، على عدة عوامل أساسية، لعل من أبرزها مسألة «الانتقال بأعمال المؤتمر من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ»، وهو ما يعكس مدى الاهتمام المصري بتنظيم «قمة استثنائية» ذات أثر مباشر في سياق المواجهة العالمية للتغير المناخي.

كما ترتكز الرؤية المصرية أيضاً على «الدفع بالشواغل الوطنية والأفريقية» في هذا الملف، وفيما يتعلق بالتكيف وتخفيف حدة الآثار الناجمة عن هذه الظاهرة، وبما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، على اعتبار أن الاقتصاديات الكبرى الـ 17 تتسبب في نحو 80% من انبعاثات غازات الكربون في العالم، طبقاً لتقرير خبراء الأمم المتحدة، بينما الكلفة والضرر الأكبر يقع على البلدان النامية التي تدفع الفاتورة باهظة، وبالتالي «تركز مصر خلال القمة على أهمية تسريع وتيرة الحصول على تمويل مواجهة المناخ للدول النامية خاصة الدول الإفريقية».

وتتطلع مصر إلى إحداث «نقلة نوعية في العمل المناخي عبر قمة شرم الشيخ»، وسط استعدادات تجرى على قدم وساق منذ الإعلان عن فوز مصر بتنظيم المؤتمر.

وتتوزع الاستعدادات المصرية للقمة على أكثر من مستوى، بداية من الاستعدادات المحلية الداخلية لتهيئة الأوضاع اللوجيستية الملائمة لاستضافة ذلك الحدث العالمي، وحتى الاستعدادات التي يتم التنسيق فيها مع المنظمات والهيئات والحكومات المختلفة، والاتصالات واللقاءات المتعددة بهذا الشأن.

استعدادات لوجيستية

داخلياً، بدأت تلك الاستعدادات مبكراً من خلال تنظيم الهيكل الإداري الأساسي المسؤول عن ترتيبات القمة على مختلف المستويات، والاستعدادات اللوجيستية بمدينة السلام شرم الشيخ؛ فقد شكّلت مصر، في نوفمبر 2021، لجنة عليا يترأسها رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي وتضم مجموعة من الوزراء المعنيين، إلى جانب محافظ جنوب سيناء، حيث تستضيف مدينة شرم الشيخ بالمحافظة تلك القمة. ويتابع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أعمال اللجنة المعنية بتنظيم القمة، وقد وجّه - في اجتماع مع اللجنة في الخامس من مارس الجاري - بـ«توفير جميع الموارد المالية اللازمة لتجهيز مدينة شرم الشيخ على أعلى مستوى لاستضافة هذه القمة العالمية».

كما وجه بمواصلة الجهات المعنية تعزيز جهودها لتحقيق هذا الهدف على نحو يعكس مكانة مصر، وعلى مستوى الشق الفني والموضوعي أو «فيما يتعلق بجهود الدولة الضخمة للتحول الأخضر وحماية البيئة وزيادة استخدامات الطاقة النظيفة من خلال المشروعات القومية المختلفة المتعلقة بالغاز الطبيعي والكهرباء والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر ووسائل النقل الصديقة للبيئة»، بما يبرز الاهتمام المصري الواسع بالقمة.

تنسق اللجنة مع الأمم المتحدة فيما يتعلق بالإجراءات والاستعدادات اللوجيستية لاستضافة قمة المناخ وإعداد أجندة المؤتمر، لتحقيق تطلعات المؤتمر (خاصة في مجال تمويل المناخ وصياغة التعهدات المالية التي أطلقت بالمؤتمر السابق إلى آليات تنفيذية) كما يتضمن التنسيق جوانب لوجيستية مختلفة أخرى، من بينها وسائل التنقل والإقامة وخدمة الاتصالات والخدمات الصحافية وتوفير تطبيق إلكتروني وموقع للمشاركين في القمة.

إضافة إلى ذلك تجري اللجنة المذكورة استعدادات خاصة فيما يتصل بالشق الفني المرتبط بالتعامل مع الشركاء الدوليين، وكذلك توفير التمويل، جنباً إلى جنب وباقي اللوجيستيات، ومنها تدريب الكوادر البشرية ورفع كفاءة الخدمات الأساسية، والاتفاق على الهوية البصرية للقمة، فضلاً عن الجوانب الأمنية. وذلك في خطٍ متوازٍ مع جهود للمجتمع المدني والجامعات المصرية في دعم مبادرات ذات صلة بمواجهة التغير المناخي.

يقول الخبير البيئي أستاذ وخبير التنمية المستدامة بالجامعة الأمريكية، الدكتور صلاح عرفة، إن مصر تقود مجهودات كبيرة أمام العالم في التجيهز إلى COP 27 منذ أن وقع الاختيار عليها لتنظيم هذا الحدث العالمي المُهم، تتمثل تلك المجهودات في الاستعدادات الجارية على مستويات مختلفة، سواء داخل مصر أو فيما يتعلق بالشراكة مع الدول والمنظمات المعنية المختلفة، من أجل إنجاح المؤتمر والخروج بنتائج عملية للتصدي بشكل عملي للتغير المناخي.

ويشير الخبير البيئي في حديثه لـ«البيان» إلى أن من بين الاستعدادات التي تقوم بها مصر عملية «رفع الوعي العام» بخطورة التغير المناخي وما يعكسه ذلك من آثار شديدة الخطورة على مصر وعلى العالم كله، وبالتالي انخراط وإشراك المجتمع في عملية التصدي للتغير المناخي، في الوقت الذي قامت فيه مصر بإطلاق مبادرات ومشروعات واستراتيجية خاصة لمواجهة التغير المناخي، مقدمة تجربة مُهمة في هذا الصدد، مشيراً لاهتمام القيادة السياسية على مدار السنوات الماضية بهذا الملف.

شرم الشيخ تستعد

وتسابق الحكومة المصرية الزمن في المشروعات التي تشهدها محافظة جنوب سيناء قبل القمة، حيث تتوزع الاستعدادات على أربعة محاور أساسية، وهي (رفع كفاءة الفنادق ومراكز الغوص والغرف الفندقية بالمدينة، وتهيئة وسائل التنقل الصديقة للبيئة، ورفع القدرة الكهربائية لقاعة المؤتمرات، ورفع كفاءة منظومة المخلفات بالمدينة من حيث الجمع والنقل والمعالجة والتدوير)، طبقاً للبيانات التي أعلنت عنها وزارة البيئة.

وتشهد محافظة جنوب سيناء عدة مشروعات تنموية جارية، من بينها مشروع الحديقة المركزية على مساحة 30 فداناً، والتي تشكل متنفساً لقاطني المدينة وزائريها، ضمن مشروعات تطوير المدينة وتحويلها إلى مدينة خضراء صديقة للبيئة، وفي إطار استقبال المدينة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ. كما تشهد المدينة عمليات رفع كفاءة وتطوير شاملة.

ذلك بخلاف مشروعات الطرق والمحاور الرئيسية الجارية في المحافظة، ومشروعات التجميل ورفع كفاءة ورصف الميادين والطرق الرئيسية وأعمال الإنارة بالمدينة. وجهود تهيئة المناطق اللوجيستية المختلفة وتدريب العاملين فيها، إضافة إلى إعداد مسار للدراجات بمدينة شرم الشيخ، وغيرها من الاستعدادات المماثلة، مثل جهود تركيب المحطات الشمسية على أسطح الفنادق قبل مؤتمر الأطراف.

مبادرات مصرية

وعلى صعيد الاستعدادات الموضوعية، تُعد القاهرة عدة مبادرات عالمية للقمة، تتوزع على ثلاثة محاور رئيسية، وهي (الإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية بما في ذلك نوعية المياه، والبعد الاجتماعي للصيادين، وتحسين مستوى الحياة)، طبقاً لوزيرة البيئة المصرية ياسمين فؤاد، خلال لقائها أخيراً مع المدير التنفيذي لصندوق المناخ الأخضر (الكيان التشغيلي للآلية التمويلية لاتفاقية تغير المناخ واتفاق باريس التابع لها) يانيك غليماريك، الذي زار مصر مؤخراً في ظل استعداداتها لاستضافة القمة.

وفي السياق، يلفت الخبير البيئي أستاذ وخبير التنمية المستدامة، إلى الاستعدادات التي تقوم بها مصر من خلال عملية المشاركة في إيجاد حلول للتغيرات المناخية، والاتصالات المصرية المكثفة في هذا الصدد والزيارات واللقاءات مع المعنيين من داخل المنطقة وخارجها من أجل التوصل لتصورات ومبادرات للتنفيذ في عملية المواجهة أو التصدي للتغير المناخي، وهي الاستعدادات المستمرة منذ شهور وحتى انعقاد المؤتمر من أجل إنجاحه وخروجه بتوصيات للتنفيذ.

ويشدد على أن تطلعات واسعة يلقي بها العالم على مؤتمر COP27 في مصر، مُبرزاً في الوقت نفسه أهمية أن تتم مشاركة الإمكانات والخبرات المختلفة (التكنولوجية والعلمية) بين الدول وبعضها البعض ونقل التقارب من أجل تقوية وتعزيز المواجهة العالمية للتغير المناخي، وهو ما يُعول على المؤتمر أن يحقق تقدماً فيه ضمن أبرز نتائجه والتطلعات منه.

ومن المبادرات التي استبقت مصر القمة بها، هي المبادرة التي أطلقها وزير البترول «مبادرة عربية للطاقة النظيفة» في قمة المناخ المقبلة في شرم الشيخ. فيما تُجرى اتصالات - على مستويات مختلفة - بين مسؤولين مصريين ونظرائهم في عديد من البلدان حول العالم، لمناقشة استعدادات القمة. وجهود دبلوماسية مكثفة في السياق نفسه كان من بينها استقبال مصر المبعوث الرئاسي الأمريكي للمناخ جون كيري، فضلاً عن زيارة المدير التنفيذي لصندوق المناخ الأخضر، وغيرها من الاتصالات التنسيقية.

وطبقاً للوزير المصري، تعمل القاهرة من خلال القمة على تسريع وتيرة العمل المناخي من خلال تنفيذ حقيقي لما تم الاتفاق عليه سابقاً، وتقديم التدخلات العاجلة لمواجهة آثار تغير المناخ، وعرض قصص النجاح في مواجهة آثار تغير المناخ على مستويات مختلفة كالمشروعات صغيرة والإجراءات الوطنية والاستثمارات الضخمة وريادة الأعمال للشباب. وهو ما يظهر خلال تنسيقها مع الأطراف المعنية ضمن الاستعدادات الجارية.

طباعة Email