قانون تحويل المنظمة إلى «دائرة» أثار جدلاً واسعاً وهزّ مكانتها

منظمة التحرير الفلسطينية.. هل ابتلعتها السلطة؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

ظلت منظمة التحرير الفلسطينية، منذ نشأتها في 28 مايو 1964، تتبوأ مساحة واسعة في قلوب الفلسطينيين في الوطن والشتات، ليس باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني فحسب، إنما لكونها، من وجهة نظرهم، ترتدي ثوب القداسة في الدفاع عن الحق الفلسطيني.

 

اليوم تعود منظمة التحرير محط اهتمام، أكان على مستوى الشارع الفلسطيني، أم الخبراء والمحللين، وقد زاد منسوب الاهتمام هذا، في أعقاب حالة من الجدل رافقت القرار الفلسطيني الصادر 8 فبراير الماضي، والقاضي باعتبار المنظمة «دائرة» فلسطينية.

لم تستجب القيادة الفلسطينية للنداءات والدعوات المطالبة بضخ دماء جديدة في الشرايين اليابسة لمنظمة التحرير، من خلال إجراء انتخابات لمجلسها الوطني، الذي لم يشهد أية عملية انتخابية منذ تأسيسه قبل 58 عاماً، وكذلك الحال بالنسبة للمجلس المركزي واللجنة التنفيذية، وسارعت لتحويل المنظمة إلى بازار سياسي وساحة للمساومة مع الفصائل، على المخصصات المالية والامتيازات، ما حوّل دوائر المنظمة كافة إلى هياكل خاوية.

تاريخياً، مرّت منظمة التحرير بمحطات مهمة، فرفعت في بداية عهدها شعار تحرير فلسطين من خلال الكفاح المسلح، قوامه «وحدة وطنية، تعبئة قومية، تحرير»، لكنها سرعان ما تبنّت عام 1974 فكرة الدولة الديمقراطية المؤقتة على جزء من التراب الفلسطيني، قبل أن تتبنى تالياً خيار «حل الدولتين»، والعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل، ثم اعترفت بها رسمياً بموجب اتفاق أوسلو في 1993، ووافقت على تأسيس سلطة حكم ذاتي بدءاً من 1994، وبموجب ذلك ظل البرنامج السياسي للسلطة أقل من مستوى «الدولة».

وفي السنوات الأخيرة، قيل الكثير عن محاولات السلطة ابتلاع منظمة التحرير، من خلال التماهي مع تعطيل دور الفلسطينيين خارج الأراضي الفلسطينية، وشل طاقات هذه الكتلة الوازنة، علاوة على العبث في ملف المنظمات الشعبية وما تضمه من اتحادات ونقابات، ففاضت علامات الاستفهام حول تمثيل وتفعيل أطر المنظمة، والتخوف من طرح البديل عنها، بعد أن بات واضحاً تراجع دورها، والتشدق بشعار «الممثل الشرعي والوحيد» أمام كل المحاولات والدعوات لإصلاحها أو إعادة بنائها، بحيث تضم الكل الفلسطيني وفق أسس شرعية وديمقراطية.

غياب الرقابة

من الأمور التي لا تخطئها عين، ولا يمكن بحال القفز عنها، أن المنظمة فقدت الكثير من زخمها لجهة الرقابة والمحاسبة على مؤسساتها المالية، فثمة عطب واضح أصاب الصندوق القومي الفلسطيني باعتباره الدائرة المالية للمنظمة، وظل متروكاً من دون رئيس لسنوات عدة، ولا يعرف أحد حجم العوائد الواردة إليه ولا آليات صرفها من خلال المنح والمساعدات، ما أفقده القدرة على ضبط الأمور المالية للسلطة، وأتاح الفرصة لخلط الأوراق والتلاعب بعيداً عن أية رقابة.

من هنا، فقد أحدث قرار تحويل منظمة التحرير إلى دائرة تتبع الدولة الفلسطينية، أزمة كبرى في الشارع الفلسطيني، خلافاً لتطلعاته في إصلاح المنظمة وإعادة بناء مؤسساتها، ضمن محاولات إحياء المشروع الفلسطيني برمته، فعاد الحديث مجدداً عن العلاقة بين المنظمة والسلطة إلى الواجهة من جديد.

وحسب المحلل السياسي هاني المصري، فإن المنظمة «ليست منظمة» بل مغيّبة، والحاجة ملحّة في هذه المرحلة لإحيائها، بما يأخذ بالحسبان المتغيرات الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية، خصوصاً وأن العالم اليوم يمر بمرحلة انتقالية، وهناك نظام عالمي جديد يطل برأسه، مبيّناً أن السلطة همّشت المنظمة، كي تفرض نفسها بديلاً عنها من داخلها، وأن الخطر الداهم على القضية الفلسطينية يتمثل في محاولات ابتلاع المنظمة، وربما القضاء عليها وتحويلها إلى سلطة.

ويرى المصري أنه مع الحديث عن إعادة تفعيل منظمة التحرير، أو محاولات شق مسارات جديدة وبدائل عنها، فلا يمكن إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء، وإعادة المنظمة إلى ما كانت عليه عند تأسيسها، معتبراً أن التدهور السياسي للمنظمة وتقزيمها وانتحارها السياسي بدأ باتفاق أوسلو، وتعمّق في السنوات الأخيرة، حتى غدت إحدى دوائر الدولة.

مثالب قانونية

ولا يحتاج الأمر لأكثر من نظرة واحدة على مقدمة هذا القرار بقانون، كي يدرك المراقب حجم التقاطع بين السلطة والمنظمة، فيبدو الأمر وكأنه لا تناقض بينهما من الناحية القانونية، فما يبدو ظاهرياً أن السلطة هي المنظمة والمنظمة هي السلطة، خصوصاً وأن جميع القوانين سنّتها السلطة الفلسطينية وليس اللجنة التنفيذية للمنظمة. وفي إضاءة على القانون الأساسي لسنة 2003، نجد أنه يمزج بين أدوات القيادة (رئيس الدولة، ثم رئيس اللجنة التنفيذية للمنظمة) بطريقة غير قانونية.

يوضح الخبير القانوني الفلسطيني أنيس قاسم: القرار هبط علينا بمظلة، وهو الأول بعد اجتماع المجلس المركزي الفلسطيني الأخير، وظهور اللجنة التنفيذية للمنظمة بأعضائها الجدد، مع تجديد الولاية للرئيس محمود عباس، مبيناً أن القرار بقانون تحويل المنظمة إلى دائرة، صدر من دون رقم لسنة 2022، ليختصر المنظمة إلى دائرة عاجزة، وكل ذلك تحت غطاء مزيف باسم «دعاوى الدولة»!

ويرى قاسم أن هذا القانون يعدّ باطلاً بطلاناً مطلقاً، لأنه لم يؤخذ كنتيجة لتصويت ثلثي أعضاء اللجنة، أو حتى طرح الموضوع على الفلسطينيين لأخذ رأيهم فيه، خصوصاً وأن المادة الرابعة من الميثاق الوطني للمنظمة يعتبر أن الفلسطينيين بلا استثناء، أعضاء فيها.

وذكّر الخبير القانوني بنص المادة (29) من النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي تنص على أن «تعديل النظام الأساسي أو تغييره أو الإضافة عليه» يحتاج إلى ثلثي أصوات المجلس الوطني، وهذا لم يحدث، مبيناً أن الوثائق الأساسية للمنظمة اشترطت في تعديل أيّ من نصوصها، نسباً محددة من التصويت عليها، وبالتالي فمن باب أولى أن تكون هناك إجراءات أكثر شدّة وتعقيداً، فيما لو كان القصد تغيير الوضع القانوني للمنظمة.

وداعاً للمنظمة

لم ينجح أهل السلطة والمنظمة على حد سواء، في إيجاد التوازن بين ‏جسمي القيادة «القديم والمستجد»، خصوصاً وأن أهل ‏الجسمين هم أنفسهم هنا ‏وهناك.‏

ووفقاً للقيادي الفلسطيني نبيل عمرو، فإن العد التنازلي الذي تسارعت وتيرته أخيراً لاستبعاد منظمة التحرير وتحجيم دورها ومكانتها، بدأ منذ مؤتمر مدريد عام 1991، وحتى في مفاوضات واشنطن وأوسلو، فقد كانت منظمة التحرير هي المُفاوِض، والرئيس الراحل ياسر عرفات وخليفته محمود عباس هما من ظهرا في البيت الأبيض لتوقيع الاتفاق.

يقول عمرو: «منظمة التحرير لم تعد كما كانت، فجسمها القائم على الدوائر والمؤسسات والبرلمان الذي يمثل كل الفلسطينيين أينما كانوا، لم يعد قائماً»، متسائلاً: «ما الحكمة من جرّ منظمة التحرير بكل مؤسساتها ودوائرها إلى الوضع ذاته الذي تعانيه السلطة؟». ويختم: قال بريجنسكي مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر قبل ثلث قرن «وداعاً منظمة التحرير» وبكل أسف، فإن الواقع الذي صنعه أهل المنظمة يقول بعد هذه المدة «وداعاً منظمة التحرير».

طباعة Email