العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    «إخوان تونس».. نهاية السيطرة وسقوط مدوٍّ لمشاريع التطرف

    على مدار عشر سنوات فشل إخوان تونس في قراءة الواقع، واستقراء أبعاده المختلفة، واستشراف ما كان ينتظرهم من سقوط مدوٍّ، قبل أن يحصل فعلاً يوم 25 يوليو الماضي في أربع محطات متسارعة: احتجاجات شعبية، وهجومات غاضبة على مقارّ حركة النهضة، وإجراءات استثنائية اتخذها الرئيس قيس سعيد، ثم زحف التونسيين على الشوارع والساحات، للتعبير عن دعمهم وتأييدهم لتلك الإجراءات، التي أعادت الجماعة إلى حجمها الطبيعي، فيما فشل راشد الغنوشي في تحشيد مناصرين للاعتصام معه أمام البرلمان، بهدف خلق بؤرة جديدة كبؤرة «رابعة»، التي شكلها إخوان مصر، بعد الإطاحة بحكم المرشد في الثالث من يوليو 2013.

    لم يصدر في تونس قرار بحل حركة النهضة أو حظر نشاطها أو الزج بقياداتها في السجون، لكن القرار الشعبي كان أهم من ذلك، وهو قرار العزلة الذي واجه به التونسيون الإخوان، لتدرك الجماعة أنها أصبحت مرفوضة ومنبوذة، وأنها لم تستطع إقناع المجتمع بأنها جزء منه، نظراً لطبيعة مشروعها الأيديولوجي الوافد من الخارج والمناقض لمشروع الدولة الوطنية.

    ووفق أغلب المراقبين، استفاد إخوان تونس في العام 2011 من حالة الفراغ السياسي بعد الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي، وحل حزبه الحاكم في 2011 وارتباك القوى المدنية وتشتت اليسار، ليسيطروا بذلك على المجلس التأسيسي المنتخب في 23 أكتوبر من ذلك العام، عبر تحالف مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي، وليخوضوا معركة فرض دستور على مقاس تطلعاتهم للبقاء في الحكم.

    ضحايا الإرهاب الإخواني

    لكن ذلك الدستور الذي صدق عليه المجلس التأسيسي في يناير 2014، كان مصبوغاً بدماء ضحايا الإرهاب الإخواني، ومن أبرزهم زعيم حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد شكري بلعيد، ومؤسس التيار الشعبي محمد البراهمي، وقبلهما القيادي في حزب نداء تونس لطفي نقض، إلى جانب عدد من الأمنيين والعسكريين ممن ماتوا برصاص إرهابيين كانت حركة النهضة وراء الدفع نحو إخراجهم من السجون، بزعم أنهم كانوا من ضحايا النظام السابق.

    أطلق وصول الإخوان إلى حكم تونس جحافل الإرهاب من عقالها، لتضرب في سوريا وليبيا والعراق، وداخل تونس ذاتها، واتسعت دائرة التطرف، وتشكلت شبكات التسفير إلى بؤر القتال في دول عدة، ولعبت حركة النهضة على تقسيم التونسيين، وحاولت كتابة تاريخ البلاد المعاصر، بما يخدم أجنداتها، واعتبار كل من حاول التمرد أو الانقلاب على نظامي بورقيبة وبن علي ولو عبر الإرهاب أو العمالة إلى الخارج، أبطالاً وطنيين، مقابل تشويه صورة الزعماء الوطنيين الحقيقيين.

    وفي تلك الأثناء، اتجه إخوان تونس للتغلغل في مفاصل الدولة، واعتمدوا على التمويلات الأجنبية المشبوهة، وابتزاز رجال الأعمال وتوفير الغطاء السياسي للفساد والتهريب، وخوض غمار الاقتصاد الموازي، لتكوين قوة اقتصادية جعلت معالم الثراء الفاحش تظهر على عناصرهم المعدودين في كل المناطق، ما فتح عيون التونسيين على ذلك الواقع مع تفاقم الأزمات المالية والاقتصادية وحالة الاحتقان الاجتماع، ودخلت البلاد مرحلة الانتشار الكارثي لجائحة «كورونا»، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وزادت نسبة الفقر والبطالة، وفقد البرلمان الذي يسيطر عليه الغنوشي وحلفاؤه هيبته وشرعيته ودوره الرقابي، وتحول إلى مسرح للعنف المادي واللفظي ضد المعاركة، وغطاء للفاسدين والفارين من العدالة، وتدهور الأداء الحكومي بشكل غير مسبوق، نتيجة إصرار الإخوان على التحكم فيها، وتوسيع شقة الخلاف بين رئيسها هشام المشيشي والرئيس قيس سعيد.

    الهروب إلى الأمام

    وفي ظل كل ذلك، كان إخوان تونس يمعنون في الهروب إلى الأمام، مقنعين أنفسهم بأن لا أحد يستطيع المساس من نفوذهم، وبالمقابل كان الرئيس سعيد ينذر ويحذّر، ويحاول إيصال الرسائل في العلن، وكانت التقارير الأمنية والاستخباراتية السرية تضعه في كل يوم جديد أمام مخاوف حقيقية من انهيار الدولة، ومن حالة غضب الشعبي قد لا تبقي ولا تذر، تتزامن مع مؤامرات تحاك ضده في الداخل والخارج، ومع تحالف بين السلطة والفساد، واختراق لأجهزة الدولة، وتعيينات مشبوهة الهدف منها تضييق الخناق عليه.

    عندما أعلن الرئيس سعيد عن الإجراءات الاستثنائية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، كان أول ما قام به هو إنقاذ البلاد من براثنهم، وفسح المجال أمام محاولة للخروج من الأزمات، التي كانت حركة النهضة سبباً فيها.

    طباعة Email