غياب أفق حل الأزمة السياسية في لبنان يعمّق دائرة الانهيارات الداخلية

في ظلّ الانسداد السياسي في لبنان، الذي حوّل استحقاق تشكيل الحكومة الجديدة سبباً إضافيّاً لاتّساع الانهيارات الداخليّة، ومع لعبة تضييع الوقت المتمادية على حلبة التأليف، في سياق استنفاد ما بقي من هامش لمحاولة إبقاء خيار التسوية الحكوميّة قائماً، بدأت المساحة الزمنيّة الفاصلة عن موعد الانتخابات النيابيّة تضيق، إلى حدّ أنّ الوقت الضائع بات يُنذر بانقلاب الأولويّات، بما يجعل تأليف الحكومة، المختلَف عليها، استحقاقاً ثانوياً لا قيمة أو فعاليّة له أمام الأولويّة التي سينصرف إليها الجميع، والمتمثلة بالانتخابات النيابيّة لانتخاب مجلس نيابي جديد بدل المجلس الحالي الذي تنتهي ولايته في 23 مايو المقبل، أي بعد أقلّ من عام.

وربطاً بانسداد أفق الصراع، جاءت مبادرة رئيس مجلس النواب ‏نبيه برّي لتحدّد المسار الذي ينبغي سلوكه في اتجاه التفاهم بين الرئيس ميشال عون ‏ورئيس الوزراء المكلف سعد الحريري، والشرط الأساس لهذا التفاهم هو اقتناع عون والحريري بأنْ لا ‏رابح بينهما من استمرار هذه اللعبة، بل ثمّة خاسر وحيد هو البلد، الذي يشهد انهيارات بالجملة، تقابلها محاولات ترقيعيّة بـ«المفرّق» لإنقاذ ما تبقّى فيه. وإذْ بات من المسلّم به لدى الجميع، في الداخل والخارج، أنّ أفق لعبة ‏المصارعة السياسيّة والشخصيّة المحتدمة على حلبة التأليف مسدود ‏بالكامل، لا تزال كلّ الآمال معلّقة على حبال مبادرة برّي الحكوميّة، والأنفاس محبوسة بانتظار المخاض «المعجّل المكرّر» الذي يخوضه، فيما لا يزال المعنيّون بالجهود المبذولة لتدوير زوايا التأليف يعبّرون بخفر عن توقّعاتهم لمآلات الأمور وما ستخلص إليه هذه المبادرة.

وفي محصّلة المشهد، لا تزال الحكومة في عالم الغيْب حتى الساعة، توازيها مبادرة برّي الباقية من دون سقف زمني إلى حين. وما بين المشهديْن، بات الترقّب مشدوداً إلى أن يحين موعد تشكيل «حكومة انتخابات» تضع حدّاً للفراغ والانهيار.

وإذْ يترقّب الداخل ما ستحمله الأيام المقبلة، لجهة كشْف «الخبايا والنوايا» واتّضاح الخيط الأبيض من الخيط الأسود في ما يخصّ الاستحقاق الحكومي، تجدر الإشارة إلى أنّ لبنان دخل في سنة الانتخابات، اعتباراً من 23 الجاري، ذلك أنّ ولاية المجلس النيابي الحالي تنتهي في 23 مايو المقبل، فيما إجراء الانتخابات يتوجّب أن يحصل خلال الـ60 يوماً السابقة لنهاية ولاية هذا المجلس، أي ما بين 23 مارس و23 مايو 2021، ما يعني أنّ الباقي من الزمن الفاصل عن موعد تلك الانتخابات هو 10 أشهر، وتسبق ذلك حتماً فترة تحضيريّة للانتخابات والترشيحات والحملات الدعائيّة لا تقلّ عن 6 أشهر.

وعليه، فإنّ الفترة التحضيريّة ستسري اعتباراً من الخريف المقبل، أي بعد نحو 4 أشهر على أبعد تقدير، ما يعني أنّ الحكومة المتصارَع عليها، إنْ تشكّلت، محدّد عمرها سلفاً ببضعة أشهر لا أكثر، ومهمّتها قد تنحصر فقط في إجراء الانتخابات المقبلة.

وعليه، ارتفع منسوب الكلام عن أنّ المعركة الدائرة على حلبة التأليف، ظاهرها خلاف على حصص وحقائب وتسمية وزراء، أمّا هي في جوهرها فمعركة حسابات انتخابية، يسعى من خلالها كلّ طرف إلى تعزيز رصيده السياسي والشعبي أمام خصومه، تحضيراً للانتخابات النيابيّة المقبلة. ذلك أنّ تضييع الوقت قلّص مساحة العمل الممكن للحكومة، إذا ما تمّ التفاهم عليها الآن، لفترة أقصاها نوفمبر المقبل، وستتقلّص أكثر كلّما تأخر تشكيلها.

طباعة Email
#