لبنان والاحتمالات الصعبة من بوابة حكومته «المعلَّقة»

بعد الفشل الذي أحاط الملف الحكومي، والذي امتدّ من باريس، عاصمة المبادرة الفرنسية، إلى بيروت، عاصمة التباينات السياسية، لا يزال المشهد الداخلي اللبناني محتقناً بكل أسباب وعناصر الشحن، ولا يزال الحديث عن العقوبات التأديبية لمعطلي حكومة المبادرة الفرنسية في واجهة المشهد السياسي.

وبمعنى أدق، لا يزال الداخل اللبناني يضج بالقراءات، ومفادها أن المفتاح الوحيد لفرملة الانهيار يكمن في تأليف الحكومة الجديدة، والتي لا يزال رئيسها المكلّف سعد الحريري متكئاً في مقاربته على ثلاث نقاط قوة أساسية، بدءاً من كون المجتمع الدولي لن يقدم المساعدات للبنان ما لم تتألف حكومة وفق المعايير المطلوبة، مروراً بشبكة علاقاته الخارجية التي يعمل على تظهيرها وإثباتها في زياراته الخارجية، ووصولاً إلى كونه «رجل المرحلة» والأقدر، نسبةً إلى شبكة علاقاته الخارجية، على فرملة الانهيار الحاصل.

وفي ضوء عودة أزمة تأليف الحكومة اللبنانية إلى ما دون مربع البدايات، وغداة اكتمال دائرة الضغوط العربية والإقليمية والدولية في هذا الاتجاه، ارتفع منسوب القلق الداخلي حيال الآتي من التطورات، وخصوصاً في موازاة الآثار الكارثية التي أرخاها القرار السعودي على القطاع ‏الزراعي، ومن خلاله على الوضع الاقتصادي العام، ذلك أن ما استجد، بحسب قول مصادر سياسية لـ«البيان»، كان يجب أن يشكل ‏حافزاً جدياً للأطراف المعنية بتشكيل الحكومة، للتعجيل في تشكيل ‏هذه الحكومة، فأي إجراء يُتخذ في جو تصريف الأعمال يبقى بلا أي ‏تأثير أو مفعول جدّي، بل يتطلب حكومة قادرة على اتخاذ القرارات، ‏خصوصاً أن الإجراء السعودي، إذا تعذّرت معالجته بالطريقة التي تريح المملكة، سيفتح جرحاً إضافياً وكبيراً في الاقتصاد، لن يكون دمْله ‏سهلاً على الإطلاق.

وربطاً بذلك، ترددت معلومات مفادها أن كل ما حُكي عن إيجابيات في تأليف الحكومة يبدو بعيداً عن الواقع، وأن الأمد في تمديد الأزمة قد يطول ويتشعب. أما مسار الأمور، فسيظل على إيقاع المفاوضات الخارجية، إما تسهيلاً أو تعطيلاً. وعليه، ارتفع منسوب المخاوف من كون لبنان بات كأنه أمام عد عكسي، لا سابق له إلا في أزمنة الحرب، لجهة حتمية إعادة تموضع الدول من واقعه، في ظل استفحال أزمة تشكيل الحكومة الجديدة التي باتت الصلة المحورية لتعامل العالم معه.

جمود وقلق

وسط هذه الصورة، حيث يبدو الداخل اللبناني جامداً بالكامل، أكدت مصادر سياسية لـ«البيان» أن كل الوساطات متوقفة، وأن كل المبادرات صارت على الرف، ولا حراك حكوميّا في أي اتجاه، بعدما اصطدمت كل المحاولات بتفشيلها المتعمد ممن يريد الحكومة على مقاسه وفي خدمة تياره السياسي.

ومع ارتفاع منسوب الكلام على أن الواقع اللبناني، في مساره الحالي، لم يعد بعيداً عن الانهيار الشامل، فيما الأزمة ستبقيه في دوامة دورية من الفوضى، لن يكون من السهل الخروج منها، فإن الرأي في ما يشهده لبنان منقسم إلى توجهين: التوجه الأول يستبعد تماماً تأليف حكومة، ويعزو السبب إلى اعتبارات، ‏إما خارجية تبدأ من غياب الضوء الأخضر الأمريكي، ولا تنتهي في ‏غياب الضمانات بتقديم المساعدات الدولية، وإما داخلية ‏تبدأ بأزمة الثقة العميقة بين رئيس الجمهورية ميشال عون والحريري، ولا ‏تنتهي بعدم استعداد الأخير لترؤس حكومة، أولوية ‏العهد فيها رئاسية ولا ضمانات بتحقيق الإصلاحات المطلوبة ولا ‏بالحصول على المساعدات الخارجية.

أما التوجه الثاني، فيجزم بأن الحكومة ستبصر النور قريباً، لأن أحداً في ‏الداخل والخارج لا يريد أن ينزلق لبنان إلى الانفجار.

وبالتالي، فإن المرحلة الحالية هي مرحلة اختبار لنوايا الجميع، ولحقيقة رغبتهم بتشكيل الحكومة، أو استمرارهم في المناورة واللعب على حافة الهاوية.

طباعة Email