«حاضنة دوليّة» تملأ الفراغ الحكومي في لبنان

وسط عمليّة الدوران العقيم في حلقة الكِباش السياسي المحتدم على خطّ الرئاستين الأولى والثالثة، يشهد لبنان، حاليّاً، حركة دبلوماسيّة غير اعتياديّة، تتركّز على موضوع وحيد، وهو تشكيل حكومة قادرة على تحقيق الإصلاحات المطلوبة دوليّاً، بما يمكّنها من جلْب المساعدات وفرملة الانهيار.

وأهميّة هذه الحركة تكمن في تعدّديتها ودفعها في اتجاه واحد، إذْ إنّها غير محصورة فقط بباريس، إنّما تضمّ القاهرة والفاتيكان وبرلين وسويسرا وجامعة الدول العربيّة والاتحاد الأوروبي. أمّا السعودية، فقد سبق وأعلنت أنّها ستدعم رئيساً للحكومة ينفّذ الإصلاحات المتفق عليها، والواردة في المبادرة الفرنسيّة.

مع الإشارة إلى أنّ رئيس «التيار الوطني الحرّ» جبران باسيل لا يزال واقفاً عند أعتاب قصر الإليزيه، ‏من دون أن يستحصل على إذن دخول، بينما بلغ رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري في ‏رحلاته الخارجيّة عتبة الحاضرة الفاتيكانيّة، حيث تبلّغ أنّ قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية سيستقبله في ‏‏22 أبريل الجاري.

وهكذا، ضاق هامش المناورة، إلى حدوده القصوى، أمام فريق معطّلي تشكيل الحكومة، من بوّابة كوْن دول العالم قاطبةً تكاد تضغط في كلّ اتجاه ممكن لفكّ أسرها. وذلك، في ضوء المعلومات عن أنّ الاتحاد الأوروبي ودولاً عربيّة عدّة تدرس إمكان فرض عقوبات على المعرقلين، جميعهم من دون استثناء، ومهما علا شأنهم.

ومن هنا، فإنّ ما تردّد عن زيارات لبعض هؤلاء إلى الخارج إنّما ترتبط بهذا الهاجس تحديداً. إلا أنّ الصورة تبدو متضاربة ومتناقضة، إذْ هناك من يعتبر أنّ ثمّة فرصة حقيقيّة لتشكيل حكومة بسبب الظروف، بينما آخرون يعتبرون أنّ كلّ هذه الحركة الدوليّة لن تؤدّي إلى أيّ نتيجة، فيما رئيس الحكومة المكلّف ليس في وارد التراجع أو التنازل. وفي الحالتين، فإنّ الصورة ستبقى معقّدة، حتّى لو تشكّلت الحكومة في لحظة ما.

وفي موازاة الاندفاعة الدوليّة، التي أتت في ضوء الواقع اللبناني، المنزلِق بلا كوابح نحو الفوضى والانهيار الشامل، يبدو أنّ بعض من يعرقل التأليف، لاعتباراته ‏الحصصيّة، يرهن كلّ شيء، من مصير الحكومة إلى مصير البلد، بانتزاعه ‏مكاسبه ونفوذه وحصصه. ولذا، لم يكن غريباً أن يحمل انحسار السيناريو الافتراضي حول زيارة محتملة لباسيل ولسواه لباريس، ‏ليحلّ مكانه ترقّب دلالات ومضمون زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري، أمس، لبيروت، والتي انطوت، بحسب تأكيد مصادر سياسيّة متابعة لـ«البيان»، على أبعاد ورسائل دبلوماسيّة مصريّة بارزة للغاية، في ظلّ تدافع الضغوط الدوليّة على لبنان لحمْل ‏طبقته السياسيّة على تأليف حكومة إنقاذيّة وإصلاحيّة تتمتّع بمعايير من شأنها فتْح الباب أمام الدعم الدولي للبنان.

وفيما يبدو أنّ ثمّة شيئاً ما يُطبخ في الكواليس، ولم ‏تظهر معالمه حتى اللحظة، أتت زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري لبيروت، في خضمّ حراك عربي وخارجي ضاغط من أجل ولادة الحكومة، وهي سبقت زيارة مقرّرة للأمين العام ‏المساعد للجامعة العربيّة حسام زكي، الذي أعلن قبل أسابيع استعداد الجامعة لـ«القيام بأيّ شيء يُطلب منها لرأب ‏الصدع الحالي، وصولاً إلى معادلة متوافق عليها، تمكّن الحريري من تشكيل حكومته من دون تعطيل وفق ‏المبادرة الفرنسيّة».

وفي السياق، انطوت زيارة شكري  اليوم لبيروت على أبعاد بارزة، توقيتاً ومضموناً، ذلك أنّ مصر كانت من أكثر الدول العربيّة التي أيّدت مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأبدت ‏التعاون والتنسيق مع فرنسا من اجل إنجاح المبادرة وترجمتها من خلال قيام حكومة جديدة، ولكنْ ليس على ‏حساب الدستور اللبناني وميثاق «اتفاق الطائف»، أو على حساب إعادة إنتاج تسوية سياسيّة جديدة مماثلة للتسوية التي ‏أفضت إلى وصول ميشال عون إلى سدّة الرئاسة، أو على حساب المسّ بالصلاحيات العائدة للموقع السنّي ‏الأوّل في البلاد، أي رئاسة الحكومة.

طباعة Email