لبنان.. «وجهاً لوجه» بين واقع الانهيار وتصاعد المخاوف والتحذيرات

بالأمس القريب، اختصرت الـ«فاينانشيال تايمز» واقع حال لبنان اليوم بعبارة واحدة: «لبنان أصبح بمثابة رهينة، يواجه نسوراً سياسيّة تتغذّى على جثّته».. وهذا التوصيف لم يأتِ من العدم، بل اقتضاه فعْل الوهج «الجهنميّ» للأزمة القائمة فيه، في حين يصعب الوصف، كما التعداد، لقطار الأزمات الفائق السرعة نحو المجهول، محمّلاً بالمعضلات المرتبطة بالفشل السياسي. 

وفي المحصّلة، تعطّلت محرّكات المبادرات المحليّة، فحلّت مكانها آلة الدبلوماسيّة العربيّة والغربيّة، إذْ تولّت السفارات هندسة خارطة التواصل بين المقرّات الرئيسيّة الثلاثة المعنيّة بمشاورات تأليف الحكومة، وذلك في حركة لم تهدأ بعد. ذلك أنّ الوقائع المرتبطة بالملفّ الحكومي، والتي تسارعت في الساعات الماضية، فرضته بنداً أوّل على أجندة المواكبة الدوليّة، وجرى التعبير عنها في الحراك الدبلوماسي العربي والغربي، الذي حضر بزخْم غير مسبوق في المقرّات الرسميّة والسياسيّة المعنيّة بهذا الملفّ. أمّا القاسم المشترك بينها، فهو التحذير من الأسوأ، ومحاولة الدفْع في اتجاه وضع تأليف الحكومة على نار حامية. 

شفير الانفجار

وأمام الانسداد الكبير، فإنّ في المقلب الآخر من الصورة فوضى عارمة، وسلطة ممعنة في تعنّتها السياسي الخانق، إذْ غلّبت صراع المصالح الخاصّة على كلّ ‏الجهود الرامية إلى وضع لبنان على سكّة الإنقاذ، والجميع يتقاذفون كرة المسؤولية، فيما يتسارع العدّ العكسي نحو بلوغ لحظة الانفجار الاجتماعي الكبير، مع ما يعنيه من انتقال البلد إلى أزمة أكبر؛ ليس فقط أزمة حكومة، بل أزمة نظام ودولة أجهزت عليها ذهنية التشفّي، وإدارة البلد بنكايات وكيديّات لم يشهدها لبنان على مرّ تاريخه. ولأنّ الانفجار، إذا ما وقع، لن تكون أيّ من الساحات والمناطق والطوائف والمحميّات ‏الحزبيّة بمنأى عن شظاياه، ارتفع منسوب الخشية من سيناريوهات مرعبة تتهدّد لبنان، وسط حال من الذعر الضمني والعلني من الانزلاق المتسارع نحو الفوضى الأسوأ. 

ولعلّ المفارقة الدراماتيكية التي يسقط فيها لبنان برمّته، وفق القراءات المتعدّدة، تتمثل بأن لا معطيات جديدة في الواقع السياسي يمكن الرهان عليها لاجتراح مخرج إنقاذي من الكارثة، بل إنّ ‏كلّ المعطيات تشير إلى الدوران والتخبّط في دوّامة العقم العبثي الذي يحاصر أزمة تشكيل «حكومة المهمّة»، التي يُعوّل عليها لإنقاذ ما تبقّى من وطن ومواطن ودولة من الهلاك. ‏ذلك أنّ إنجاز التأليف يحتاج إلى معجزة، بحسب قول مصادر متابعة لـ«البيان»، إذْ إنّ كلّ ما كان يُعوّل عليه من عوامل قد تساهم في تشكيل الحكومة أصبح في خبر كان، وفق المصادر نفسها، والمعنيّون بالتشكيل كلّ عند مطالبه، فيما حساباتهم السياسيّة المعقّدة تبدو وكأنّها أهمّ من كلّ التدمير الممنهج والانهيار المستمرّ.

قراءات

ووسط حال الانتظار عند حافة الانهيار، وفيما الأزمة تراوِح وتتعمّق، لا يزال الداخل اللبناني يضجّ بالقراءات، ومفادها أنّ المفتاح الوحيد لفرملة الانهيار يكمن في تأليف الحكومة الجديدة، في حين ارتفع منسوب المخاوف من توتّرات أمنيّة شديدة الخطورة في كلّ لبنان، وبالتالي عودة البلاد إلى الحرب وسقوط السلْم الأهلي، مع ما يعني ذلك في القاموس اللبناني من اقتراب المواجهة على الأرض، من بوّابة «التزحلق» على حفافي الحروب الصغيرة، التي قد تكبر بلا أيّ ضوابط، عدا عن عودة الاغتيالات السياسيّة إلى الواجهة مجدّداً. 

وفي ظلّ غياب اليقين، وفي حين أن الباب فُتِح على الشكوك والفرضيات، إلى حدّ أن «المبشّرين» باحتمال عودة الاغتيالات صاروا يتقاذفون الاتهامات المتبادلة، حول التجييش والتحريض والتخطيط والتنفيذ، فإنّ كلّ فريق لا يصدّق سوى محاولات الاغتيال التي قد تستهدفه، بينما يشكّك في مصداقيّة ما يعلنه الفريق الآخر عن استهداف له. وفي الحالتين، وسواء أكانت «محاولات الاغتيال» التي يُعلن عنها بين الفينة والأخرى، مجرّد «رسائل» أو محاولات «جديّة»، أو أنها مجرّد «مسرحيات» كما يحلو للبعض أن يوصّفها، فإنّها، وبحسب قول مصادر معنيّة لـ«البيان»، تعكس حجم الانكشاف في الوضع الداخلي، إنْ كانت صحيحة. وإذا لم تكن صحيحة، فالمصيبة أكبر، لأن اللبنانيّين يكونون أمام خفّة غير مسبوقة في سلوك المتعاطين بالشأن العام.

طباعة Email