روبورتاج

درنة.. طبيعة ساحرة وتراث مذهل

درنة.. عروس الشرق كما يطلق عليها الليبيون.. لا شيء فيها يوحي بأنّها كانت وقبل وقت ليس الطويل، مرتعاً للإرهابيين بل وعاصمة لهم. عاد الألق إلى المدينة الوادعة وكشفت الطبيعة الخلابة عن مفاتنها من جديد مدثرة درنة برداء السحر والشاعرية. لم يطق السياح بعداً عن درنة فعادوا إليها يقودهم الحنين بعد خرجت المدنية من كوابيس الإرهاب التي جثمت على صدرها سنيناً. عاد شاطئ المدينة آمناً حالماً هادئاً تداعب جنباته أشعة الشمس التي تلاطف أمواج بحره الصافية في مشهد مذهل.

شلال درنة



تتدفّق المياه العذبة على جنوب درنة وعلى بعد سبعة كيلومترات، من شلال يصل ارتفاعه إلى 30 متراً، فيما منتجع راس هلال شرق المدينة يتميز بالتقاء الغابة مع البحر ليشكلا منظراً جاذباً لعشاق الطبيعة والحالمين بلحظات السكينة في أحضانها، تنتشر أشجار القطلب المعروفة محلياً باسم «الشماري» وهي شجرة برية لها ثمار حلوة المذاق ومغذية تسمى العجور برتقالية اللون تميل إلى الحمرة عند نضجها خلال فصل الشتاء، إذ يتسابق السكان المحليون على جني ثمارها، فيما يعتبر رحيق أزهارها من أفضل ما يمكن أن يتغذى منه النحل لإنتاج عسل «الحنّون» الذي يمتاز بمرارته ليكون بلسماً يشفي الكثير من الأمراض.

عين أبولو من ينابيع الماء في الجبل الأخضر



غرب درنة تقع الينابيع والعيون المتدفقة بالماء العذب الزلال من أعالي الجبال، ومنها وادي الأنجيل، حيث كان يختبئ القديس مرقس الرسول ليكتب الإنجيل المعروف باسمه وهو واحد من الأناجيل القانونية الأربعة وواحد من الأناجيل الإزائية الثلاثة، يحكي مسيرة يسوع من المعمودية على يد يوحنا المعمدان إلى الموت والدفن واكتشاف القبر الفارغ، وينتهي إلى الحديث عن نهاية الزمان، وما سيحدث عند رجوع المسيح ثم يسرد الأحداث المتعلِّقة بآلام المسيح وموته وقيامته وصعوده إلى المجد، ويؤكِّد على مساندة المسيح لتلاميذه فيما هم ينشرون البشارة في العالم أَجمع.

ولد سمعان ارسطوبولس المعروف باسم مرقس لابيوس ومعناه المطرقة الليبية، في إبرياتولس، وهي منطقة برطلس حالياً التي تقع في أحضان الطبيعة، ما بين مدينة «قورينــا/ شحات» ومدينة «أبولونيـا/ سوسة»، إذ نشأ وترعرع في أسرة يهودية قبل أن يهاجر معها إلى بين المقدس هرباً من الرومان، والتقى هناك بالمسيح وجالسه وعاش معه، بل إنه كان من ضمن السبعين رسولاً، لذا لقبته الكنيسة: «ناظر الإله»، ثم فرّ من جديد من الاضطهاد الذي تعرض له الحواريون، وعاد إلى مسقط رأسه عبر اليونان ليصبح شرق ليبيا أول موطن للدعوة المسيحية في القارة الإفريقية، ثم اتجه إلى الإسكندرية، حيث أسس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وكان أول بطريرك لها إلى أن قتله الرومان عام 68، ونقلوا جثمانه إلى روما، وبعد 1900 عام استعادت الكنيسة القبطية رفاته عام 1968، وأودع مزاره الحالي تحت الهيكل الكبير في شرقية الكاتدرائية، وتم الاحتفال في 26 يونيو 1968 بإقامة الصلاة على روحه على مذبح الكاتدرائية المرقسية.

بقايا كنيسة برطلس وتعود إلى زمن القديس مرقس



توجد في منطقة الجبل الأخضر بشرق ليبيا، عدد مهم من الآثار المسيحية تعود للمسيحيين الأوائل الفارين من اضطهاد الإمبراطورية الرومانية، والذين قاموا بحفر الكهوف وتوسعتها بالقرب من العيون والينابيع سواء للسكن أو للصلاة والخلوات الروحية، ومنها نبع القديس بوقا، و«أم العمود» وهو نبع كان يستخدم لتعميد الأطفال الصغار بمياه النبع. ويعود الفضل في اكتشاف الآثار المسيحية في الجبل الأخضر إلى الأثري الليبي الكبير داود الحلاق الذي ولد في قرية صمبر شمال شحات في العام 1942، وعاش طفولته هناك في أسرة متواضعة ودرس في درنة، ونال الثانوية، والتحق بكلية الآداب بالجامعة الليبية ببنغازي، وعين عام 1973 مديراً للمركز الثقافي في مدينة شحات وطور من أعماله ونشاطه، قبل أن ينتبه إلى أهمية وثراء تاريخ ليبيا، فكتب عنه وعمل في مجال الآثار باحثاً مرموقاً، ما جعل من مؤلفاته عن الكهوف ومعلقات الجبل ومرقس وعمود السماء وغيرها، مرجعيات مهمة ودراسات موثقة، بعد أن اعتمدت البحث والاستدلال والرحلات الشخصية الميدانية.

قاد الحلاق حملة استكشافية لكهوف الجبل الأخضر مكونة من فريق محلي متطوع، استمرت ثلاثة أعوام ما بين 1985 و1987، وأثمرت عن اكتشاف نحو مئة كهف معلق مجهول، صعدوا إليها من أسفل الجبل أو نزلوا إليها من قممه بواسطة الحبال والبكرات وغيرها من أدوات التسلق، ليتمكنوا من جمع كنوز أثرية هائلة تكشف طرق عيش الليبيين القدامى، والتي شكلت متحفاً تراثياً ثرياً.

كهف الإنجيل



وعن اكتشافه وادي الإنجيل، يقول الحلاق: «خلال طيران الفريق في هليكوبتر عبر أحد الأودية شاهدنا منظراً لم نعتد مثله بين الكهوف، كان مقراً محفوراً في واجهة صخرية سحيقة، وكان اتساع المقر وتعدد أدواره يوحي بصورة جلية أنّه بقعة أثرية ويختلف عما ألفناه».

ولما سأل الحلاق الأهالي عن الكهف أجابوه بأنه معروف عندهم باسم «وادي مرقس» فعاد للخرائط الجغرافية ليجده مسجلاً بنفس الاسم، واستغرب من أنّ أحداً لم يبحث عن سبب التسمية من قبل، ولم يتمكن وفريقه من الصعود إليه واكتشافه إلّا بعد عامين من مشاهدته من الجو.

راس الهلال سحر الطبيعة في شرق ليبيا



استطاع الحلاق في العام 1987، الصعود إلى الكهف بعد عناء وتكبّد مشاق، ليجد نفسه ومن معه داخل بناء مركزي مكون من ثلاثة طوابق أسماه فيما بعد «صرح مرقس الإنجيلي»، وهو محفور بين الصخور وكان الطابق الأخير له طريق يصله بالثاني، وأصبح بسبب عوامل التعرية غير قابل للاستخدام‏. وجد فيه رموزاً مسيحية وصهريجاً صخرياً ضخماً لحفظ المياه، ومعاصر زيوت وممرات ومداخل سرية ونقوشاً ورسومات دينية عن صلب المسيح. وفي أحد أدوار الكهف الضخم اكتشف ما يدل على أن هذا الموضع كان كنيسة.

 كما وجد بقية لتمثال رأس أسد وهو علامة مرقس الإنجيلي وشعاره، وفي وادي الإنجيل المجاور، عثر الحلاق وفريقه على صليب محفور بطريقة المسيحيين الأوائل عند مدخل كهف الإنجيل، وعلى مقر ديني يحوي ثمانية صلبان ومعمودية عامة تعرف اليوم باسم «عين سربلي»، كما عثر داخل كهف معلق على مصطبة حجرية صالحة للجلوس والكتابة رجح أن مرقس كان يكتب عليها إنجيله.

ثمار القطلب في شتاء برقة



يقول الحلاق: «بالرغم من أهمية هذه المواقع والبقع الأثرية التي اكتشفناها، إلّا أننا لا نستطيع استيفاءها حقاً وبدقة لأنّ العمل يتطلب معاول المنقبين ويتطلب حفريات واستقصاءات علمية دقيقة لفرق من المتخصصين في أفرع عدة من علم الآثار»، لا سيما وأن المنطقة التي تنتشر فيها معاقل مرقس تقدر مساحتها بحوالي 2000 كيلومتر مربع.

تبقى ليبيا قارة مجهولة بآثارها المنتشرة على كامل أراضيها من جنوبها لشمالها ومن شرقها لغربها، فيما سيتحتّم على أي قيادة قادمة للبلاد الاهتمام بتلك الكنوز الصامتة التي لا تمثل رصيداً ثقافياً وحضارياً ثرياً فقط، بل يمكن أن تتحول لرافد اقتصادي مهم، من خلال تنشيط الحركة السياحية التي لم تحظ بأي اهتمام منذ استقلال البلاد قبل 70 عاماً.

طباعة Email