ما أسباب انتشار الجرائم الأسرية في المجتمع المصري؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

"سيدة تقتل أطفالها وتحاول الانتحار، رجل يقتل زوجته وأبناءه، زوجة تقتل زوجها"، أخبار أصبحت، في الأيام الماضية، رائجة وتتصدر وسائل الإعلام في مصر، ما أثار عدة مخاوف من انتشار الجرائم الأسرية في المجتمع المصري.

ويرى مدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية، أحمد مهران، أن "تلك ليست مجرد أخبار متناثرة"، معتبرا أنها "ظاهرة حقيقية تضرب المجتمع المصري".

وقال، لقناة الحرة، إن "تكرار تلك الجرائم خلال الفترة الماضية، يشير إلى ظاهرة يعاني منها المجتمع، ولها أبعاد أخلاقية ومجتمعية".

في المقابل، تقول أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية عضو المجلس القومي للمرأة، نسرين البغدادي، إن "الجريمة الأسرية ليست بنمط جديد، وظهرت مع بداية البشرية، وارتبطت بالطمع والرغبة في الانفراد بالسلطة، والاستحواذ على المشاعر".

في منشور لها على "فيسبوك"، اعتبرت أنه "يتم تصدير الجرائم على أنها ظاهرة، ويتم تناولها بإلحاح من خلال المواقع الإخبارية والبرامج، ونشر الفيديوهات الشارحة، والعناوين المثيرة، وتناول تفاصيل المأساة ظنا منهم أن ذلك عبرة وتعاطفا وإثارة"، وفقا لتعبيرها.

أما الباحث المتخصص في مجال الثقافة المجتمعية والسياسية الخبير السابق بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، فؤاد السعيد، فيقول إن بعض حوادث "القتل الأسري" للأزواج أو الأبناء، قد أثارت موجة من الاعتقاد مؤخراً بأن بعض مجتمعاتنا العربية ربما تواجه موجة جديدة من العنف الأسري ربما تتجاوز المعدلات العالمية.

وأشار إلى زيادة نسب العنف الأسري على مستوى العالم منذ ظهور جائحة كورونا، مضيفا "نحن لسنا بصدد ظاهرة مصرية أو عربية خاصة".

وتابع: "عالميا تتعرض 35٪ من النساء للعنف الأسري، كما يعاني ما يقرب من 3 من كل 4 أطفال أو 300 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 2-4 سنوات بانتظام للعقاب البدني أو العنف النفسي على أيدي الوالدين ومقدمي الرعاية".

واستطرد: "يعيش طفل واحد من بين كل أربعة أطفال دون سن الخامسة مع أم هي ضحية عنف الشريك".

واستند السعيد في حديثه على نشرة صادرة عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري في 6 أغسطس 2021.

واستدرك: "ربما تكمن الخصوصية المصرية أو العربية في ظهور نمط جديد من العنف الأسري نتيجة ارتفاع مستويات التوتر العصبي عند الآباء".

وفي عام 2021، كشفت دراسة لجامعة عين شمس، أن جرائم القتل الأسري تشكل من ربع إلى ثلث إجمالي جرائم القتل في مصر، وفقا لما نقلته وسائل إعلام مصرية بينها موقع "الشروق".

أما المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، فقد أشار إلى أن 92 في المئة من هذه الجرائم تتم بذريعة "العرض" (الشرف) فضلا عن العوامل الاقتصادية التي أصبحت من بين أبرز أسباب تضاعف معدلات القتل العائلي، وفقا لموقع " أخبار اليوم" الحكومي.

من جانبه، يصف استشاري الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، علاء رجب، الجرائم الأسرية في مصر بأنها "جرائم سوداء، بالغة الخطوة، تؤثر على تماسك المجتمع وصحة الأسرة المصرية نفسيا واجتماعيا".

فيما لخصت الناشطة في مجال حقوق المرأة، أسماء البنا، أسباب انتشار الجرائم الأسرية في "جوانب نفسية وأخرى اجتماعية وثالثة اقتصادية".

وقالت، إن "الضغوطات النفسية، والظروف الاقتصادية"، هي الأسباب الرئيسية لتفشي هذه الجرائم في المجتمع.

ويضيف علاء رجب بعدا آخر للقضية، وهو "التنشئة الاجتماعية الخاطئة"، قائلا: "هناك مفاهيم خاطئة تقتبسها الأسر وتعتبر أن الضرب والإهانة بمثابة ترويض سواء للزوجة أو للأبناء".

وتابع قائلا:" اعتبار بعض الأسر أن الضرب والإهانة يجعل الأبناء (عظمهم ناشف) مفهوم خاطئ لأن هذه التربية الخاطئة تنتج شخصا غير سوي نفسيا".

واستطرد: "هذا الشخص يستخدم نفس التربية الخاطئة مع أولاده وتصبح دائرة الضرب والتعذيب مستمرة"، محذرا من أن "العنف والقهر ضد الأطفال يتسبب في جرائم قتل بشعة بالمستقبل".

وتحدث عن أسباب جرائم العنف الأسري، قائلا: "إصرار الأهل على الزواج المبكر وعدم مساندة المرأة في حال وجود خلافات مع الزوج، ورفض تلك الأسر لطلاق بناتهم يرفع معدلات العنف".

لكن السعيد يذكّر بـ"نمط جديد للعنف الأسري، لا ينتج عن الكراهية، ولكنه عنف يصل إلى حد اتخاذ قرار خاطئ خوفا من مواجهة ظروف اقتصادية أو اجتماعية صعبة".

وشهدت مصر "حالة جدل واسعة"، بعد إقدام أم على ذبح أبنائها الثلاثة، في قرية بمحافظة الدقهلية (شمال العاصمة المصرية القاهرة)، قبل أن تحاول الانتحار، وفقا لعدة وسائل إعلام بينها موقع "الوطن".

وتصاعدت حدة الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي بعد نشر رسالة الأم الأخيرة لزوجها المغترب، التي قالت فيها إنها أرادت أن تدخل أولادها الجنة، وتريحهم من متاعب الحياة، وفقا لـ"وسائل إعلام مصرية".

وتعليقا على ذلك، يلحظ السعيد وجود اتجاه لارتفاع مؤشرات الاضطراب الاجتماعي والنفسي التي تعد البوابة الطبيعية لزيادة معدلات الانتحار وارتكاب الجرائم، بحسب قوله.

ويتفق معه علاء رجب الذي يشير إلى "وجود اضطرابات نفسية حادة لدى بعض الأفراد المصابين بمرض الفصام الذهني ما يدفعهم لإنهاء حياتهم أو حياة المقربين منهم للهروب من الواقع، متوهمين أنهم سيذهبون للجنة".

واعتبرت البنا أن تداول أخبار العنف الأسرى في مواقع التواصل الاجتماعي، يلعب دورا كبيرا في انتشار الظاهرة، معللة ذلك بأن "البعض يعتبر أنه ليس وحده من يفعل ذلك".

وتابعت قائلة: "وسائل التواصل أصبحت جزءا مهما من حياتنا اليومية وهناك فئات من الشباب تتأثر بأخبار العنف الأسري وتتعامل مع الأمر على أنه شيء عادي في المجتمع"، محذرة من مخاطر "انتشار هذا المفهوم ".

وأشارت البنا إلى أن تداول تلك الأخبار، يؤثر بشكل سلبي على المراهقين والمراهقات الذين قد يتأثروا بتلك الجرائم، ويعتادون عليها "نفسياً"، ولا يستغربون انتشارها "اجتماعيا".

واتفق معها السعيد، الذي اعتبر أن ذلك يكشف عن "حالة من التشاؤم تجاه الواقع والمستقبل الاجتماعي الاقتصادي والسياسي لمجتمعات المنطقة".

واتفق مع الرأيين السابقين أحمد مهران، لكنه ذهب أيضاً إلى اتهام "وسائل التواصل"، بالتسبب في "خلل بالمشاعر والعواطف بين أفراد الأسرة".

تلك الوقائع السابقة، تثير المزيد من التساؤلات، حول سبل مواجهة تلك الجرائم، وكيفية التصدي لها في المستقبل؟

عن ذلك، يقول استشاري الصحة النفسية، الدكتور جمال فرويز، "لابد من اتخاذ خطوات عاجلة لوقف ذلك التردي وإلا سيكون هناك المزيد من التداعيات على المجتمع المصري".

وتابع قائلا لموقع "الحرة": "يجب تضافر جهود جميع الجهات الرسمية المنوط بها تلك الظاهرة، مثل وزارتي الثقافة والشباب والجهات الإعلامية، وكذلك مؤسسة الأزهر والكنائس"، مطالبا تلك الجهات بالتعاون "بصورة متكاملة لإنقاذ المجتمع المصري".

أما علاء رجب، فيشير إلى ضرورة "خلق وعي عام داخل المجتمع ومنح دروس عملية ونظرية للمقبلين على الزواج".

وشدد على أهمية "تشجيع الدراما الاجتماعية الهادفة لترسيخ القيم وزيادة الوعي المجتمعي"، مطالبا بـ"إنتاج برامج تساهم في بناء صورة ذهنية سوية لشكل الأسرة".

وأضاف: "يجب زيادة وعي الأسرة في مساندة أولادهم بعد الزواج، ومعرفة أن الطلاق قد يكون أحيانا نقطة تحول إيجابية للطرفين".

 

طباعة Email