مسؤول وحديث

تصميم تشريعات المستقبل

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا شك أن نجاح الدول والحكومات في مواكبة التطور التكنولوجي المتسارع الذي نشهده حالياً يتطلب منظومة متكاملة لتطوير التشريعات التنظيمية، تبدأ بتحليل الواقع ودراسة وقائعه دراسة شاملة، وفهم معطياته وإحداثياته، ومن ثم تصور المستقبل وتخيل تحولاته، وصولاً إلى بناء إطار عام يحدد استراتيجيات حوكمته، ويستشرف تحدياته ويضع أفضل الخطط للاستفادة من فرصه.

ويتمثل عامل النجاح الأهم هنا في سرعة ومرونة هذه التشريعات، فالتكنولوجيات المتقدمة والناشئة تشهد وتيرة متسارعة في نموها، وهذا ما يتطلب القدرة على التماشي مع هذه الوتيرة التي تفرض متطلبات متجددة، واعتماد آلية تشريعية سريعة تدعم نمو الاقتصاد الرقمي وتشكّل ركيزة للثورة الصناعية الرابعة.

قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الماضية تجربة رائدة في مجال تطوير التشريعات على مستوى المنطقة والعالم، وهو الأمر الذي جعلها في مصاف المراكز العالمية في مجال البلوك تشين والعملات الرقمية، واستقطاب الكثير من رواد الأعمال والشركات الناشئة في قطاع الاقتصاد الرقمي. ومما يميز النموذج الإماراتي، أنه يتسم بالمرونة والحيوية والابتكار والقدرة دائماً على مراجعة تشريعاتها وتحديثها وتطويرها بشكل دائم، مما أسهم في تمكين الدولة بأن تكون سبّاقة بين الدول في صناعة التحولات الجذرية وتصدر المؤشرات العالمية. وهذا النموذج نلتزمه بدورنا في مؤسسة دبي للمستقبل، بمختلف برامجها ومبادراتها، وهو نهج عمل وثقافة مؤسسية نطبقها في مختلف مشاريعنا، إيماناً من قيادتنا وإداراتنا وكوادرنا ومختلف شركائنا بدور التشريعات الحيوي في تحقيق تضافر الجهود وحشد الطاقات وتكامل القدرات في بناء المستقبل الذي يتطلع إليه الجميع، المتمثل في مستقبل مبني على المبادرات المؤثرة والفاعلة.

وهذا ما نشهده تباعاً في الاستراتيجيات المستقبلية الطموحة التي تطلقها دبي لتصميم أطر تنظيمية ممكّنة لاقتصادات ومجتمعات المستقبل، ومنها على سبيل المثال لا الحصر إطلاق سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي رئيس المجلس التنفيذي رئيس مجلس أمناء مؤسسة دبي للمستقبل، «استراتيجية دبي للمناطق الجامعية الحرة» في مارس 2019، و«استراتيجية دبي للميتافيرس» في يوليو 2022، و«برنامج دبي للبحث والتطوير»، و«برنامج دبي للروبوتات والأتمتة» في سبتمبر 2022. وجميعها أمثلة عملية على أهمية إشراك التشريعات في بناء المستقبل الذي نتطلع إليه اقتصادياً واجتماعياً.

وتعمل مؤسسة دبي للمستقبل من خلال «مختبر التشريعات» بشكل وثيق مع المشرعين من الجهات المحلية والاتحادية لتطوير التشريعات التي تنظّم التقنية لتعزيز دور دولة الإمارات العربية المتحدة باعتبارها مركزاً عالمياً لاختبار التقنيات الناشئة والواعدة.

وحقق المختبر خلال السنوات القليلة الماضية مخرجات عملية ونتائج ملموسة أسهمت في تغيير وتطوير عدد من التشريعات، وهو ما انعكس إيجاباً على استقطاب مزيد من رواد الأعمال والمبتكرين إلى دبي والدولة وإنشاء أسواق جديدة واعدة لاقتصادها من خلال جذب أصحاب المشاريع التقنية التجريبية، نتيجة التشريعات المرنة والمدروسة. ويشكل «مختبر التشريعات» بيئة تشريعية متجددة محفزة لإنشاء أسواق جديدة في الدولة عبر تسريع تبني التقنيات الصاعدة، وتسهيل مزاولة الأعمال، وتشكيل حلقة وصل، تحقق التوافق بين العمل الحكومي ومشاريع القطاع الخاص.

وفي هذا السياق، يأتي إطلاق المؤسسة لتقارير استشراف المستقبل، التي تعزز تطوير تشريعات نوعية تدعم قطاعات المستقبل، ومن تلك التقارير مثلاً، «تقرير الفرص المستقبلية: 50 فرصة عالمية» الذي أصدرناه هذا العام، ويركز ضمن موضوعاته المتعددة على ضرورة تعزيز الشراكات الاستراتيجية بين القطاعين الحكومي والخاص لتصميم تشريعات جاهزة لمواجهة تحديات المستقبل وفرصه.

وضمن هذا المسار أيضاً، أسهمت مبادرة دبي 10X بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بتحفيز الجهات الحكومية كافة على تبني الابتكار بشكل جذري كعملية أساسية للوصول إلى نماذج تشغيل جديدة كلياً للمستقبل.

كما شكّلت «مسرعات دبي للمستقبل» منذ عام 2016 تجربة ريادية لدعم تشريعات تمكّن للمستقبل، وذلك من خلال تسهيلها التعاون والتنسيق بين الحكومة من جهة، والقطاع الخاص والشركات الناشئة من جهة ثانية، بناءً على معايير الابتكار والمرونة.

وبدورها تسهم «مختبرات دبي للمستقبل» في استشراف أطر تشريعية سبّاقة لمدن ومجتمعات واقتصادات المستقبل، وتحديد النظم والحلول والخدمات المجدية بالتركيز على البحث والتطوير الداعم لتشريعات المستقبل.

وتتويجاً للمبادرات والبرامج النوعية التي أنجزتها المؤسسة فقد قامت باستضافة العديد من الفعاليات الدولية، التي شكّلت مختبراً لتشريعات المستقبل، وذلك من خلال مناقشة فرص وضعها وتطويرها وحوكمتها مع المختصين والمعنيين من مختلف أنحاء العالم، كما في «ملتقى دبي للميتافيرس» و«منتدى دبي للمستقبل»؛ اللذين نظمتهما «مؤسسة دبي للمستقبل» تباعاً في شهري سبتمبر وأكتوبر 2022، وجمعا معاً مئات الخبراء من مختلف القطاعات لمناقشة اقتصادات ومجتمعات المستقبل والتعاون من أجل توظيف أفضل الممارسات في وضع التشريعات الممكّنة لنمو الدولة والإمارة وتحقيق الازدهار لهما، في الخمسين عاماً القادمة وصولاً إلى «مئوية الإمارات 2071».

الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للمستقبل

طباعة Email