6 أسباب

تأخر الزواج مسؤولية مجتمعية أم مسألة شخصية؟

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

أكدت وزارة تنمية المجتمع أن تأخر سن الزواج يعود الى 6 أسباب رئيسة؛ أبرزها التكاليف الباهظة، إضافة إلى امتناع الشباب عن الزواج، وعدم رغبتهم بالارتباط، أو رغبتهم في الحرية، وعدم التزامهم بالمسؤولية، مشيرة إلى امتناع بعض الفتيات عن الزواج بسبب بعض المفاهيم الخاطئة، أو سعيهن وراء أمور غير واقعية؛ كفارس الأحلام، أو حلم الوصول إلى وظيفة مرموقة، وتقليد المشاهير.

ويتفاوت متوسط السن المناسب للزواج بين مجتمع وآخر، فما يراه البعض أنه السن الأفضل لإقامة شراكة زوجية، قد يراه آخرون «مبكراً»، أو «متأخراً»، وهذا بلا ريب مرتبط بعدة عوامل منها اجتماعية، اقتصادية أو ثقافية، غير أن الحال في الإمارات تغير في السنوات الأخيرة، وفق ما تبينه لنا سجلات وإحصائيات محكمة الأحوال الشخصية، حيث كانت العادات والتقاليد متحيزة في السابق إلى الزواج المبكر، وتحديداً في نهاية العقد الثاني أو بداية الثالث من العمر، لكن المعدل ارتفع الآن إلى ما بعد منتصف العقد الثالث وحتى نهايته.

إذا ما رجعنا إلى الإحصائيات المتعلقة بعقود الزواج التي وثقتها محكمة الأحوال الشخصية في الأعوام الخمسة الماضية، نجد أن متوسط أعمار غالبية الشباب ممن تزوجوا خلالها، تراوح بين 25 و29 عاماً، ثم يليهم من هم في عمر 30 عاماً إلى 34 عاماً، بينما لم نجد إلا القلة القليلة من الشباب الذي تزوجوا في عمر أقل من 20 عاماً.

منح

 

وقالت وحيدة خليل درويش، مدير إدارة منح الزواج بوزارة تنمية المجتمع: إن الوزارة توفر خدمة «تقديم منح الزواج» تنفيذاً لبنود القانون الاتحادي رقم 47 الصادر في عام 1992.

وتقدم المنحة للشباب المقبلين على الزواج ضمن مسارين متوازيين، أحدهما يوفر الدعم المالي للتمكن من إيفاء تكاليف الزواج وتأمين متطلباته، فيما يتوجه المسار الثاني نحو توعية الشباب والتأكد من أنهم مدركون لحجم وأهمية المسؤوليات الأسرية التي ستلقى على عاتقهم بعد الزواج من خلال البرنامج التوعوي (إعداد) الذي تقدمه الوزارة للشباب المقبلين على الزواج وهو إلزامي للمستفيدين من المنحة المالية التي تقدمها الوزارة وزوجاتهم، واختياري لجميع أفراد المجتمع.

وأضافت أن الوزارة تنفذ الأعراس الجماعية التي من خلالها يتم تزويج أعداد كبيرة من الشباب، بهدف تكوين أسر تنعم بالاستقرار والطمأنينة. وقد ساهمت ثقافة الأعراس الجماعية في تعزيز مبدأ تخفيض تكاليف الزواج. كما إن لها أبعاداً اجتماعية إيجابية عديدة، فهي تجسد روح التعاون المشترك وترسخ قيم التكافل في المجتمع، وتشكل أيضاً فرصة لالتقاء أبناء القبائل للاحتفال وسط مظاهر من السعادة والألفة والتلاحم.

وأشارت الى دراسة أجرتها وزارة تنمية المجتمع لمعرفة التوجهات المجتمعية حول موضوع إتمام الزواج بدون إقامة حفلات زفاف، في ظل المتغيرات التي فرضتها جائحة «كوفيد 19».

وخلصت نتائج الدراسة عن موافقة 98% من إجمالي عينة الدراسة لمبدأ الزواج بـدون إقامة حفلات زفاف «أعراس» خلال هذه الفترة، والاكتفاء بإقامة أعراس بدون مدعوين، أو حضور عدد قليل من الأهل والأقارب والأصدقاء، تماشياً مع الواقع الحالي. وأشار معظم المستطلعة آراؤهم إلى تأييد فكرة الاستفادة من التغيرات الاجتماعية الحالية، لتعزيز التوجهات المستقبلية بترشيد النفقات والإسراف في حفلات الزفات على مستوى المجتمع الإماراتي.

وأظهرت نتائج الدراسة جوانب إيجابية للزواج بـدون إقامة حفلات زفاف في هذه الفترة، بنسبة موافقة من 94 - 99%، حسب متغيرات «إتمام الزواج، سعادة الزوجين، سعادة الأهل والأقارب، سعادة الأصدقاء والمعارف والزملاء». ونسبة رضا 98 - 99% عن الزواج بـدون إقامة حفلات زفاف، حسب متغيرات، «الالتزام بالإجراءات الوقائية لحكومة دولة الإمارات، تقليل التكاليف التي تصرف على حفل الزفاف، المساعدة بنشر ثقافة ترشيد الاستهلاك».

وألمحت نتائج الدراسة إلى وجود حالة من الموافقة على الاستفادة من التغيرات الاجتماعية الناتجة عن مستجدات «كوفيد 19» للمستقبل في المجتمع الإماراتي، بنسب تتراوح بين 87% - 98% لمتغيرات «إقامة حفلات زفاف بتكاليف قليلة، إقامة حفلات زفاف بعدد قليل من المدعوين، إقامة حفلات زفاف تقتصر على الأهل والأقارب».

وتعزز النتائج التي توصلت لها الدراسة وفقا لدرويش توجه الوزارة بالاستفادة من تجارب الواقع لتنمية وإبراز سلوكيات مجتمعية إيجابية تتوافق ورؤية الوزارة للمستقبل، في إيجاد مجتمع سعيد يحظى بجودة حياة أفضل، وفق مبدأ «أسرة متماسكة.. مجتمع متلاحم».

انفتاح

القاضي خالد الحوسني رئيس محكمة الأحوال الشخصية في دبي، قال إن نسب الخصوبة قلت خلال السنوات الأخيرة مقابل ارتفاع سن الزواج، مشيراً إلى أن انفتاح مجتمعنا على المجتمعات الغربية، أثر سلباً على رغبة الشباب في الزواج، والانشغال عنه بأمور أخرى.

وأوضح أن تأخر سن الزواج بين الشباب إلى ما بعد 25 عاماً، يرجع لعدة أسباب أهمها تأثر الشباب والفتيات بطلبات المعيشة، بالإضافة لرغبتهم في الانتهاء من تعليمهم الجامعي والحصول على شهادات عليا، ومن ثم الالتحاق بالمناصب والوظائف المرموقة، و«عيش حياة الشباب والتمتع بالحرية والاستقلالية قبل بناء أسرة».

وأضاف القاضي الحوسني: «مشكلة العزوف عن الزواج مشكلة موجودة، لكنها ليست ظاهرة مقلقة، حيث إن البعض يفضل الاستقلالية وعدم الارتباط، ربما لأسباب تتعلق بالوظيفة والحصول على راتب مرتفع ومنصب وامتيازات أخرى، والاكتفاء الذاتي، والسفر مع الأصدقاء والسهر خارج البيت بحرية».

وشدد رئيس محكمة الأحوال الشخصية، على أن تأخير الزواج أو العزوف عنه، ليست مسألة شخصية كما يظن البعض، وإنما مسؤولية مجتمعية وأسرية، تفرض على الشاب أو الفتاة بناء أسرة وإنجاب الأبناء ومحاربة الكثير من الظواهر المجتمعية المرتبطة بالعزوبية، والمساهمة كذلك في رفع نسبة الخصوبة في الدولة.

توعية

وهنا تبدو الحاجة مُلحة لتحقيق بعض التغيير على مستوى القناعات وفقاً للدكتور أحمد العموش، أستاذ علوم الاجتماع التطبيقي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة الشارقة، من خلال توعية الشباب بأهمية الحفاظ على ديمومة الأسرة والنسل إلى جانب ضخ البرامج التوعوية الجمعية التي تناقش هذه الظاهرة وتبين تأثيراتها على المدى البعيد مع الحرص على توفير تسهيلات للشباب المقبلين على الزواج وتمكينهم من الحصول على فرص عمل مبكرة، متطرقاً إلى تجربة صندوق الزواج الرائدة في دولة الإمارات، بيد أنه يرى أنه من الضرورة بمكان إيلاء شق التوعية المكثفة أهمية تتخذ نسقاً تصاعدياً بحيث تسهم في توعية الشباب من الجنسين بأهمية الزواج والتغلب على الصعوبات والعقبات والمفاهيم المغلوطة التي تؤدي إلى تأخر سن الشباب بين الطرفين.

أرقام ومقارنات

أحمد عبدالكريم، رئيس قسم الإصلاح والتوجيه الأسري في محاكم دبي، ذكر أن محكمة الأحوال الشخصية وثقت العام الماضي 464 عقد زواج، إماراتي من إماراتية، في الفئة العمرية من 25 - 29 عاماً، مقابل 169 إماراتياً من غير إماراتية في الفئة العمرية عينها، وهناك 6 حالات زواج إماراتي من إماراتية في عمر 19 - 25 عاماً.

وللفئة العمرية من 30 - 34 عاماً، وثقت المحكمة 245 عقداً (إماراتي من إماراتية)، مقابل 174 (إماراتي من غير إماراتية). ولفت أحمد عبدالكريم إلى أن الفئة العمرية من 30 - 34 عاماً هي الأكثر بالنسبة للأجانب، بواقع 1196 عقداً.

فئة عمرية

ورأى رئيس قسم التوجيه والإصلاح في المحكمة، أن الفئة العمرية 25 - 29 عاماً هي الأنسب للزواج لعدة أسباب، وقال: لأن الأب - أو الأم - يصبح صديق أولاده بسبب فارق السن البسيط بينهما، كما أن بإمكان صغير السن مساعدة الأبناء في تربية الأحفاد واللعب معهم بسعادة ومن الإيجابيات أيضاً أنه ينضج بسرعة بسبب المسؤوليات الملقاة على عاتقه فيكتسب شخصية قوية وخبرة كبيرة في الحياة وهو لا يزال في سن صغيرة، ناهيك عن أن الأب يكون ملماً بهموم وتحديات ورغبات الأبناء لأنه يبقى شاباً عندما ينضجون.

وأكد أحمد عبدالكريم أنه لا يوجد سن معينة للزواج بين الشباب والفتيات، فمن الطبيعي أن يتعدى الشاب العقد الثاني والثالث من عمره من دون ارتباط، وذلك لتغير عاداتنا وتقاليدنا عن الماضي، حيث يفضل الأهل أن يختار ابنهم أو ابنتهم شريك حياتهم، وبذلك تتجنب العائلات والشباب القضايا الناتجة عن عدم التفاهم بينهم، وعلينا أن نتجاوز النظرة التقليدية القديمة والتي يعاني منها الأهل في حال بلوغ الشاب أو الفتاة سن محدد من دون الزواج، فلا بد أن يكون الزوج والزوجة على وفاق تام بالشخص الذي تتزوجه حتى لا تحدث خلافات بينهما.

في المقابل، رأى عبدالكريم أن الزواج المبكر تنتج عنه مشكلات زوجية مبكرة، لأن الشاب أو الفتاة يرغب كل منهما بالتحرر والاستقلالية والطيش وعدم التقيد بالآخر، ولا يتقبل أي منهما أن يحد أحدهما من رغبات الآخر أو خروجه أو سفره مع الأصدقاء.

 

ظاهرة

بعض عوامل تفشي ظاهرة تأخر سن الزواج هي عوامل تتشارك فيها مختلف الدول العربية، حيث يمثل البعد المادي وغلاء المهور وتكاليف الزواج السبب الرئيس لها، وأضاف الدكتور العموش أن بعض الأسر لا تزال تؤمن بثقافة المغالاة بالمهور ما دفع بعض الشباب من التوجه للزواج بأجنبيات.

وأفاد بأن سن الزواج في دولة الإمارات بات يتراوح بين الـ 28 - 30 عاماً، فيما تراجع تأثير الأسر على قرارات الأبناء في الزواج، ما أفضى إلى تناقص في حجم الأسرة نتيجة لعامل تأخر سن الزواج إلى جانب عوامل أخرى اجتماعية واقتصادية، متطرقاً إلى نتائج دراسة أجراها أستاذ علم الاجتماع في جامعة الشارقة في العام 2008 حول تأخر سن الزواج لدى الأسرة الإماراتية، وكان سن الزواج في ذلك الوقت للفتيات 24 وللذكور 25، والآن بات المتوسط بين 28 - 30، مشيراً من الناحية العلمية إلى تقارب بين المجتمعين الإماراتي والأردني في هذا الإطار، فوفقاً للدراسات هناك ذات الخصائص والعوامل المؤثرة وكلاهما يعاني من تأخر سن الزواج.

توصيات

قدم القاضي خالد الحوسني وأحمد عبدالكريم مجموعة من التوصيات للتشجيع على الزواج وعدم التأخر فيه، من أبرزها:

- توظيف الإعلام لبث برامج ومسلسلات هادفة تحث على الزواج وقيم القناعة والتواضع والاعتدال في الإسراف.

- صياغة برامج لمساعدة الشباب على إيجاد سكن، وأخرى لتوعية أفراد المجتمع بحجم المشكلة وآثارها، وبفوائد الزواج، وتجميل صور تكوين أسرة وأولاد ومنزل.

- التخفيف من المهور حسب قدرات وإمكانيات الشباب.

- تشجيع فكرة الأعراس الجماعية.

- تفعيل دور المرأة الأم وتثقيفها وتوعيتها دينياً، وتربوياً، واجتماعياً، بأهمية صحة علاقاتها الأسرية السليمة مع زوجها وأبنائها.

- إنشاء نواد للمتأخرات في الزواج لتيسير خطبتهن.

- مواصلة الفتاة لتعليمها وهي متزوجة.

- ضرورة متابعة الجامعة لقضايا المجتمع ودراستها واقتراح الحلول لها عبر توجيه البحوث العلمية والأكاديمية.

- إعداد طاقم متخصص من المرشدين الاجتماعيين المواطنين لتقديم دروس وبرامج في التوعية ذات الصلة.

طباعة Email