ناجـيات

«مجلس الأمل» حكايا على درب الشفاء

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

وقفن على مفترق طريق، قادتهن أقدامهن إلى «مجلس الأمل».. لتبدأ حياتهن من جديد. فالبحث عن نافذة أمل لمريضات السرطان كان الفكرة الأساسية التي دفعت مؤسسة الجليلة في عام 2021، إلى إنشائه، وهو مركز مجتمعي يعدّ الأول من نوعه، تغص جنباته بعشرات القصص التي اجتازت محطات الرعب وتحولت إلى مصدر إلهام للكثيرات، ليروين ألمهن ويبثن أملهن في مستقبل يتمسكن به وبتفاصيله. 

حكايات ملهمة

«جويس شرفان» سيدة لبنانية تقيم وأسرتها في الإمارات ناجية من السرطان وعضو في المجلس، تخصص الكثير من وقتها لتقديم الدعم للمريضات اللواتي ما زلن على سرير الشفاء.

قالت: «لقد عانيت الكثير بعد أن أصبت بالسرطان في جزء من القولون والكبد وتم استئصال الجزء المسرطن، فقد أجريت جراحات الاستئصال خلال فترة الإغلاق في كورونا وكانت الظروف بشكل عام صعبة»، مشيرة إلى أنها حالياً تجري الفحوص الدورية كل ثلاثة أشهر للاطمئنان.

ولفتت إلى أن عضويتها في مجلس الأمل تقتضي منها تقديم الدعم النفسي لمن يحتاجونه، مشيرة إلى أن كل شخص موجود في المركز يفهم التغيرات الصحية والنفسية والجسدية التي تصيب مريضة السرطان وعليه لغة التفاهم عالية والقدرة على استيعاب الآخر سهلة.

وأشارت إلى أن البعض لا يوجد لديه خلفية حول كيفية التصرف منذ لحظة معرفة الإصابة مروراً بفترة العلاج وتداعياتها، ما يجعل دور الداعمين مهماً جداً، لافتة إلى أن المرتكز الأساسي للعلاج بالنسبة لمريضة السرطان هو تحليها بالقوة، مؤكدة أن المرض غير نظرتها للحياة وأصبحت تقدر أهميتها لنفسها وللآخرين وأكدت أن الأمل فقط هو ما يجعل الحياة سهلة وجميلة وتستحق أن تعاش.

الحب علاج

سمر محمود من السودان متزوجة ولديها ثلاثة أولاد، شخصت كمريضة سرطان عام 2015 بورم تحت الثدي الأيسر وخضعت للعلاجات اللازمة في مستشفى توام وعانت من المضاعفات لمدة سنتين، حتى خرجت من الأزمة وتقوم بالفحص بشكل سنوي، تقول إنها وجدت الدعم والحب من أسرتها، لافتة إلى أنها اليوم عضو في المجلس رغبة منها في تقديم ولو قدر بسيط من الفائدة للمريضات اللواتي ما زلن في مرحلة العلاج.

وأشارت إلى أنها تشارك بالمعلومات، بالمشاعر، وبالاستماع، والرد على استفسارات المريضات اللواتي يرزحن تحت وطأة المرض ومضاعفاته وهواجسه، موضحة أن بعض المريضات يستفسرن عن موعد نمو الشعر بعد تساقطه نتيجة للعلاج الكيماوي، وعن تغيرات الجسد، بالإضافة إلى محطات الحزن والغضب التي تعتري المريضات، ويكون دوري التخفيف من نوبات الحزن والغضب وغرس الطمأنينة في نفوس المريضات كما هو الحال لباقي العضوات.

وأضافت: هنا في المجلس تشعر العضوات أنهن في بيتهن الثاني فهن مجموعة داعمة، إلى جانب متخصصين في بعض المجالات يحضرون للمجلس كمتطوعين يقدمون استشارات أو فحوصات، بالإضافة إلى جلسات مساج ولياقة بدنية، فالدعم النفسي يوازي في أهميته العلاجات، فمن تريد البكاء والحزن تجد الملاذ هنا، أهم شيء الحب والاحتواء والإنصات.

شجاعة وصلابة

وتمثل رحلة الدكتورة رحاب الصواف قصة من نوع آخر، فهي لم تتوقف رغم إصابتها بالسرطان وتلقيها للعلاجات عن ممارسة عملها في أحد المختبرات.

وقالت: أنا ناجية من المرض الخبيث منذ 12 سنة وفخورة بنفسي، وقد تلقيت دعم عائلتي وابني الذي كان على أبواب التخرج وتخصص بالأورام، وكان هذا الدعم أحد أهم أسباب نجاحي في المواجهة الشرسة.

وأشارت إلى أنها خضعت للعلاج في وطنها سوريا وأجرت الجراحة في أحد مستشفيات بيروت بعد أن تم تشخيصها عام 1999، حيث شخصت في يوم خميس لتخضع للجراحة في يوم الأحد الذي تلاه، مؤكدة أهمية السرعة وعدم التباطؤ في تلقي العلاج.

وقالت إن المواجهة الشرسة مع المرض والتي دامت أكثر من سنتين من العلاج بسبب شراسة المرض، حيث كانت مصابة بسرطان الثدي في المرحلة الثانية، لم تمنعها من ممارسة حياتها، مشيرة إلى أنها وعقب جلسة الكيماوي كانت تعود إلى عملها دون أن تتوقف ولو للحظة واحدة.

الوعي علاج

وتقول: «لحظة معرفة الخبر تكون قاسية للغاية ويجب أن نكون قادرين على ترتيب أفكارنا، وهنا في المجلس أركز على شق التوعية وأتحدث عن المرض كأني لم أصب به أبداً».

وأضافت: بلا شك أن الطب تطور خلال السنوات الماضية، وأنا سعيدة بوجودي في الدولة هنا، حيث وجدت الرعاية الدائمة والاهتمام والحب في مؤسسة الجليلة وتطوعت في مجلس الأمل للمشاركة في حملات التوعية والمحاضرات الطبية التي يتم تنظيمها والمجموعات عبر موقع التواصل الاجتماعي «واتساب».

الإيجابية والأمل

زينة الحمداني مقيمة في الدولة منذ 20 عاماً برفقة زوجها وابنتيها كانت تعمل في شركة تأمين منذ عام 2005 لمدة 6 سنوات، وتوجهت بعدها إلى كندا وفي العام 2017 عادت إلى الإمارات وتم تشخيصها في العام 2015 في كندا وأجرت عمليات جراحية وجلسات العلاج الكيماوي هناك واستكملت العلاج والفحص الدوري لمدة خمس سنوات، وها هي الآن تعاود العلاج مرة أخرى بعد اكتشاف الورم في الثدي.

وعن مجلس الأمل قالت إنها لم تكن تعرف عنه شيئاً وتعرفت إليه بالصدفة ومن يومها وهي عضو فاعل.

وأوضحت: مهما كانت العائلة داعمة لكن من يمر بتجربتك يكون قادراً على تفهم مشاعرك وانكسارك وقوتك، هنا لا يوجد خطأ أو صح تستطيع الحديث بحرية عن كل ما يعتمل في نفسك، هنا مساج، ونشاطات ترفيهية حتى جلسات وضع الميكياج للتخفيف عن المريضات.

وتعتبر زينة الحمداني المجلس بيتها الثاني وترى أن التجربة علمتها كيف تتعامل مع الأمور بمنطقية وأن تتحلى دوماً بالأمل والإيجابية، مشيرة إلى أن أكثر من 50% من العلاج يعتمد على الحالة النفسية، مؤكدة أنها عضو ملتزم وتواظب على الحضور.

الصبر والقوة إلهام

لمياء جبر مشرفة مجلس الأمل وهي سيدة ناجية من مرض السرطان، حكاية قوة وصبر وتحمل.. حكاية ملهمة لكل من عانت وتعاني من المرض الخبيث، وهي ترى أن 90% من الناجيات قويات منحهن الله طاقة من الصبر والتحمل والقوة.

لمياء جبر سيدة تشع بالأمل والطاقة الإيجابية تعمل بشكل متواصل من أجل توفير كافة أوجه الدعم للعضوات، وتقول إن المجلس محطة مهمة للتنفيس عن المشاعر السلبية للمريضات، بما يتيحه من مساحة لتبادل الأحاديث بين المريضات والناجيات.

وأشارت إلى أن المركز قائم على دعم المجتمع والمنتسبين من المتطوعين، فهناك أطباء وأخصائيون في العلاج النفسي والطبيعي واللياقة البدنية واليوغا، ويقدم جميعها بشكل تطوعي مجاني، لافتة إلى أن هناك مستشفيات تتطوع لتقديم الخدمات على اختلافها.

وأوضحت أن المجلس بمثابة الجسر بين العلاج الطبي والرعاية النفسية، فمراكز العلاج والمستشفيات تقدم رعاية طبية وصحية، بيد أن الجانب النفسي على الرغم من أهميته ودوره في الشفاء يبقى مهمشاً في المشافي والمراكز.

وقالت: هنا نوفر الدعم النفسي من منطلق أن المعاناة لا يفهمها إلا من خاض تجربة مشابهة، فالبعض يخسر وظيفته بعد الإصابة أيضاً، هنا نبني الثقة بالنفس ولدينا تواصل مع شركات توفر دورات تدريب مهني للعضوات الناجيات ليتدربوا ويمتلكوا الإمكانيات والمهارات.

 

الأمل صناعة

وأكد الدكتور عبدالكريم سلطان العلماء الرئيس التنفيذي لمؤسسة الجليلة، أنه لا يوجد معنى للحياة إذا ما فقد الأمل، كما تفقد قيمتها ولذتها عند غياب التفاؤل، لافتاً إلى أن الحياة ليست طريقاً ممهداً مفروشاً بالورود، ولكن يوجد فيها العديد من الأوقات الصعبة والظروف العصيبة، وإذا فقدنا الأمل في الحياة لا يكون بمقدورنا أن نكمل مسيرتنا في الحياة بسلام.

وأضاف: لا شك في أن الإصابة بالمرض الخبيث محنة كبيرة، ولكن يبقى الدعم والعلاج النفسي لزراعة الأمل في نفوس المريضات إحدى أهم الوسائل في الشفاء.

وقال: غالباً ما تكون الإصابة بالسرطان إحدى أكثر التجارب إرهاقاً في حياة المريضة، حيث تمر بسلسلة من المشاكل النفسية منذ أن يتم تشخيصها بالإصابة بالورم، وأولى المراحل المعاناة من الحزن، ثم مرحلة الإنكار وعدم التصديق، ثم الغضب مع استمرار الحزن حتى الوصول إلى مرحلة التقبل والتعايش.

وتنفق المريضة وعائلتها جلّ اهتمامهم على تلقي العديد من العلاجات مثل العلاجات الجراحية والكيميائية وحتى الغذائية ويهملون أو يجهلون الرعاية النفسية أو التدخل العلاجي النفسي للمريضة وأهميته، علماً أن الأمراض النفسية التي تعاني منها مريضة السرطان تفوق الأمراض العضوية.

وأشار إلى أن إنشاء مجلس الأمل جاء انسجاماً مع إدراك المؤسسة لأهمية الدعم النفسي كأحد مرتكزات الشفاء، مؤكداً أن النتائج المتحققة تشير إلى صوابية القرار بإنشاء المجلس.

«الجليلة» دعم ومساندة

وتهدف مؤسسة الجليلة من خلال المجلس إلى توفير مجموعة دعم في بيئة مساندة للنساء اللواتي يخضن معركة ضد هذا المرض. ويهدف المركز للحفاظ على رسالة الأمل التي يؤمن بها ولتحسين صحة وعافية الآلاف من النساء اللواتي أصبح لديهن الآن ملاذ آمن للجوء إليه في أي وقت للحصول على الدعم العاطفي الذي يحتاجونه.

ومؤسسة الجليلة هي مؤسسة عالمية غير ربحية للرعاية الصحية تكرِّس جهودها للارتقاء بحياة الأفراد، وقد أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في أبريل من العام 2013 بهدف تحقيق الريادة لدبي ودولة الإمارات في مجال الابتكار الطبي.

وتسعى المؤسسة لدعم العلاج الطبي المقدم للأشخاص غير القادرين على تحمّل تكاليف الرعاية الصحية النوعية، وتقدم منحاً دراسية لتنشئة كوادر وطنية من متخصصي الرعاية الطبية، وتدعم الأبحاث الرائدة التي تتناول المشكلات الصحية الشائعة في المنطقة، بما في ذلك السرطان.

 

ومنذ إنشائها، قدمت مؤسسة الجليلة الدعم إلى 174 مريضاً بالسرطان باستثمارات إجمالية بلغت 12 مليون درهم إماراتي. ويعاني 1 من كل 6 مرضى تدعمهم مؤسسة الجليلة من مرض السرطان، مع تزايد حالات الإصابة بالسرطان والحاجة إلى الدعم الخيري للمرضى، كما تنظم مؤسسة الجليلة أكثر من 150 نشاطاً للتوعية المجتمعية بالسرطان كل عام وتدعم مجموعات دعم السرطان مثل بريست فريندز.

يذكر أن مؤسسة الجليلة قد أعلنت في وقت سابق عن إنشاء مستشفى حمدان بن راشد الخيري لرعاية مرضى السرطان المقرر افتتاحه في العام 2024، لتقديم العلاج المنقذ للحياة لمرضى السرطان غير القادرين على تحمل تكاليف الرعاية الصحية الجيدة.

طباعة Email