كِلى من متبرع متوفى تنقذ فتى إماراتيا في الوقت المناسب

منذ حوالي خمسة أعوام تقريباً، تبرعت المواطنة الإماراتية مريم بإحدى كليتيها لابنتها التي كانت تعاني من متلازمة أمراض الكُلَى الخلقية، وهي حالة تؤدي إلى فشل كامل للعضو، ثم في سنة 2019، تفاجأت أن ابنها، عيسى عبدالملك، وهو فتى ما زال في نضارة الصبا، يعاني من نفس الحالة، وبحاجة ملحة إلى كلى، وما كان أمامها إلا أن تتجه إلى السجل المدون به أسماء المتبرعين بأعضائهم، في دولة الإمارات، ذهبت وهي يحدوها الأمل بأن تجد ما تتمنى.

تقول مريم:«إن أبنائي كلهم يعانون من أمراض في الكلى، وهم ثلاثة بنين، وبنت واحدة. أصيب كل منهم بمشكلات صحية في عمر مختلف. أما أنا، فقد تبرعت بإحدى كُليتي لابنتي؛ ولم يكن أي أحد آخر، من أبناء أسرتي، في وضع يسمح له بالتبرع بإحدى كليتيه لولدي عيسى، إذ حالت أسباب صحية دون ذلك».

"عيسى لم يعش طفولة هانئة مثل بقية الأطفال، إذ كان دائماً ما تحيط به حدود وقيود على ما يسمح له بأكله، وكان يتناول أدوية، وما كان يستطيع أن يلعب كرة السلة، كل ذلك بسبب غسيل الكُلَى. غير أنني واسيته قائلة أن ما عليه إلا الصبر، ولسوف يكون قادراً على أن يفعل ما يحلو له من أشياء، في القريب العاجل".

جاء عيسى إلى مستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي في سنة 2019، وهو مصاب بفشل كلوي. وقيم الأطباء حالته بأنه يحتاج إلى متبرع حي يتبرع له بكُلاه، ولكن لم يُعثر على أي متبرع، يُحتمل أن يكون مناسباً، من أسرته. فوُضع اسم عيسى ضمن قائمة الانتظار لزراعة الأعضاء. ثم بدأ أطباء المستشفى غسيل كُلاه، حفاظاً على توازن جسمه، وظلوا يترقبون أن يتاح لهم عضو يتبرع به أحد المتبرعين، وغسيل الكُلَى هو علاج يساعد الكُلَى في أداء وظائفها الصحية، مثل التخلص من الفضلات، والأملاح الزائدة، والماء الزائد، ويحافظ كذلك على وجود مستوى آمن من مواد كيميائية معينة في الدم كالبوتاسيوم والصوديوم والبيكربونات ويساعد أيضاً في ضبط ضغط الدم، لكن تأزمت حالة هذا الصبي الصغير، حين بدأت بوادر فشل القلب تظهر عليه.

وقال الدكتور بشير سنكري رئيس معهد التخصّصات الجراحية الدقيقة، في المستشفى : «حين رأينا عيسى أول مرة، كان قلبه في حالة جيدة، ولكن حين شرع في غسيل الكُلَى، بدأت وظائف قلبه تتدهور تدهوراً سريعا، ومما يؤسف له، أن بعض الأطفال لا تستجيب حالتهم لهذا العلاج الاستجابة المرجوة، ولذا تعد زراعة الكُلَى عاملاً أساسياً في إنقاذ الحياة، ومن حسن حظنا، أننا وجدنا متبرعاً، وقت الحاجة، فأتيح لذلك الصبي اليافع فرصة أخرى في هذه الحياة».

والمصابون بمرض الكلى في مرحلته الأخيرة، يكونون في حاجة إلى غسيل، ومن ثَم يكونون في خطر متزايد للإصابة بفشل القلب، وقد تسهم عوامل عديدة في تفاقم مشكلة هؤلاء المرضى، منها فرط حجم الدم، واعتلال ضغط الدم الانبساطي (أي: عجز القلب عن الاسترخاء بين النبضات)، وتَصَلُّب الشرايين، وأمراض صمامات القلب. وكذلك، قد يزداد خطر الإصابة بفشل القلب، مع اعتلال البُطَيْن اعتلالاً شديداً في المرضى الذين يخضعون لغسيل الكُلَى.

يقول الدكتور سنكري: «لم تظهر الحالة الراهنة التي عليها قلبه الآن إلا بعد زراعة الكُلى. ولو كان غسيل كُلاه قد استمر لمدة أطول، لكان قلبه قد أصيب بفشل كامل، ولكانت حالته تطلبت زراعة قلب جديد."

وتحت رعاية فريق طبي متعدد التخصصات، أجريت العملية بنجاح، في أربع ساعات، في شهر أكتوبر، من العام الماضي (2020). وما زال الفتى اليافع يتعافى الآن، في بيته، برعاية متواصلة، من فريق القلب والأوعية الدموية، وفريق زراعة الكُلى في المستشفى.

وعبرت مريم عن أملها في أن تساعد تجربتها في تنمية وعي الجمهور بفوائد التبرع بالأعضاء، وفي حث مزيد من المقيمين للإقدام على هذا العمل، تفانياً في نفع غيرهم.

وتقول: «أهيب بالجميع أن يسجلوا أسماءهم في برنامج زراعة الأعضاء، في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد بدأت، وفعلت ذلك بنفسي، لأنني أؤمن إيماناً قوياً بقيمة ذلك العمل. أريد للناس أن يعلموا أن التبرع بالأعضاء أمر عظيم، لا سيما التبرع بالكُلَى، إذ يستطيع الإنسان أن يعيش حياةً طبيعية بكُلَى واحدة فقط».

طباعة Email