حلم تحقق بإرادة الآباء المؤسّسين والأسلاف الملهمِين

اتحاد الإمـارات.. ملحمة وطـن

ت + ت - الحجم الطبيعي

سنروي اليوم معاً، بكل اعتزاز وافتخار، جوانب من سردية الوطن الكبرى.. سيرة ومسيرة سطّرتها عبقرية قادة أفذاذ.. قادة صدقوا العهد.. وأنجزوا الوعد.. أدّوا الأمانة.. وأنجزوا فعل التأسيس.. أسسوا دولة الإمارات العربية المتحدة.. وطناً مدّ يوماً على الكون جناحيه فلم يستطع العالم مجاراته في تحليقه بعيداً في فضاءات التفوق والتألق والتميز والإنجاز الذي يكاد يلامس حدود الإعجاز. وطناً ارتفعت رايته عالية خفاقة، في مثل هذه الأيام، قبل 50 عاماً، ومنذ ذلك اليوم البهيج، وهو ينثر شعراً على ساحل بحر العرب، وشعراً على ضفاف الخليج.

لا نقول شعراً.. لأن الوطن هو القصيدة.. قصيدة بلا نهاية.. في حب الوطن تضيق العبارة ويتسع المعنى.. لا نستدعي مقتطفات من الذاكرة.. لأن ذاكرة الوطن تقويم قائم بذاته، برسم بوصلة المستقبل. ذاكرة الوطن رؤية، ورؤيا، تاريخ من المفاخر والأمجاد، سطّرته عزائم وسواعد الآباء والأجداد.

سنعزف لحناً، على تقاسيم حب هذا الوطن.. سنروي سردية وطن، لا كالأوطان.. نرويها كما ينبغي لملاحم التاريخ الكبرى أن تروى.. نبدأ من البداية.. نؤرخ للحظة التأسيس.. نحتفي ببداية الحلم- الحقيقة.. بدايته المسك.. قائدان اجتمعا في لقاء «عرقوب السديرة».. يرى كل منهما ما هو أبعد بكثير من مدى البصر.. ومدارات البصيرة.. وقد استشرفا مع إخوتهم الحكام الكرام تباشير الغد الآتي، ووجه الوطن المُشرق.. فكانوا جميعاً على موعد مع التاريخ.. كانوا في الموعد.. وكانوا على العهد.. وكان الاتحاد.. وكان الوطن.

في السادس من أغسطس عام 1966، وفور تولي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، سدّة الحكم في إمارة أبوظبي، كان هدفه ومشروعه الوطني الأكبر هو توحيد الإمارات في المنطقة.. وكان يعلم مدى أهمية هذه الخطوة لأبناء الوطن، وخاصة بعد إعلان الحكومة البريطانية في عام 1968 عن نيّتها الانسحاب من منطقة الخليج العربي مع نهاية عام 1971، وهذا ما سيؤدي لوجود فراغ سياسي كبير، وربما يولد ذلك المزيد من الخلافات والصراعات والفرقة في المنطقة.

ومما يجدر ذكره، في هذا المقام، أن بعض المؤرخين ذكروا أن فكرة اتحاد يضم الإمارات كانت حلماً وطنياً قديماً، فالأجداد والأسلاف فكروا في توحيد إماراتهم منذ بدايات القرن العشرين بهدف تكوين قوة تضمن حمايتهم وتوفر الأمن والأمان لسكان الإمارات في تلك الفترة.. ولعل اجتماع «الخوانيج» بدبي الذي عقد في عام 1906 خير دليل على حرص أجدادنا على فكرة الوحدة، ففي ذلك الاجتماع طرح الشيخ زايد بن خليفة الأول على حكام الإمارات الآخرين فكرة الوحدة بين الإمارات، ولكن بسبب الظروف الاقتصادية والسياسية لم ترَ الوحدة النور آنذاك.

وطرحت الفكرة مجدداً في ثلاثينيات القرن الماضي، ولم تنفذ، وخلال اللقاءات والمجالس التي كانت تجمع الحكام، عادت فكرة الاتحاد من جديد في بداية الخمسينيات ولقيت تقبلاً من طرف الحكام آنذاك، وخاصة بعد دخول بريطانيا وتأسيس مجلس حكام الساحل في عام 1952.

لقاء عرقوب السديرة

ولاشك أن من يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس قلبه أبداً، وهذا ما فعله المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، فقد قرأ تاريخ أجداده جيداً، فأدرك ما كانوا يصبُون إليه، وتولى هذه المهمة العظيمة.. وعرض فكرة الاتحاد على أخيه حاكم إمارة دبي، المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، وفي 18 فبراير 1968 شهدت منطقة عرقوب السديرة اللقاء التاريخي بين القائدين.

وعرقوب السديرة منطقة قريبة من السميح على طريق دبي- أبوظبي، وتكمن أهمية هذا اللقاء في كونه البذرة الأولى لشجرة الاتحاد المباركة التي أعلن قيامها فيما بعد، ففي هذا اللقاء التاريخي وافق المغفور لهما الشيخ زايد، والشيخ راشد، على دمج إمارتيهما في اتحاد واحد، والمشاركة معاً في أداء الشؤون الخارجية والدفاع والأمن والخدمات الاجتماعية وسياسة مشتركة لشؤون الهجرة، فيما ترك بقية المسائل الإدارية لسلطة الحكومة المحلية لكلّ إمارة، وعُرفت تلك الاتفاقية التاريخية والمهمة بـ«اتفاقية الاتحاد»، ويمكن اعتبارها الخطوة الفعلية الأولى نحو توحيد المنطقة.

وفي نهاية نوفمبر 1971، اكتمل الانسحاب البريطاني، وقبله تحرك الشيخ زايد، والشيخ راشد، سريعاً في تنفيذ مشروعهما الوحدوي، بخطوات حثيثة، ليشمل بقية الإمارات، وكانا قد بدآ بالفعل التواصل والاتصال مع حكام الإمارات الأخرى، وعملا على تعزيز الروابط معها لتعميم فكرة الاتحاد، وخاصة أن أبناء المنطقة تجمعهم روابط الدين واللغة والدم والمصاهرة، إلى جانب أواصر الأخوة والعادات والتقاليد والتاريخ ووحدة المصير، وتكللت جهود القائدين الشيخ زايد، والشيخ راشد، بالتوفيق والنجاح، وبدأت الخطوات التمهيدية الأولى نحو إنشاء وقيام دولة الاتحاد.

الأساس الدستوري

ومن منطلق إيمان القائدين الشيخ زايد، والشيخ راشد، بتعزيز الاتحاد وتقويته، بادرا بدعوة حكّام الإمارات الخمس المتصالحة، بالإضافة إلى البحرين وقطر للانضمام في مفاوضات تكوين الاتحاد، وعقدت عدة اجتماعات لمناقشة توحيد الإمارات، وفي 27 فبراير 1968، عقد حكّام الإمارات التسع مؤتمراً دستورياً في دبي، وأعلنوا توقيع اتفاقية مكوّنة من إحدى عشرة نقطةً ستشكل الهيكل والأساس الدستوري والشرعي لـ«اتحاد الإمارات العربية».

وخلال الفترة من فبراير 1968 إلى 1971 عقدت اجتماعات عدّة على مستويات مختلفة من السلطة، وتم الاتفاق على القضايا الرئيسة في اجتماعات المجلس الأعلى للحُكّام، الذي يتكوّن من قادة الإمارات التسع.

وفي 14 أغسطس 1971، أعلنت البحرين استقلالها، وتبعتها قطر في 1 سبتمبر 1971، وانسحبتا من منظومة الاتحاد. أما بقية حكّام الإمارات، وهي أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان والفجيرة وأم القيوين، فقد اتفقوا رسمياً على إعلان الاتحاد وقيام دولة الإمارات العربية المتحدة.

أهداف الاتحاد الواردة فــي الدستــور

جاءت فكرة قيام الاتحاد بهدف التحسين والتطوير، وعليه فقد نص الدستور على مجموعة من الأهداف التي تؤكد أهمية الاتحاد كخيار تاريخي يحقق تطلعات ومصالح الوطن والمواطن، ونذكر من هذه الأهداف:

توفير حياة أفضل، واستقرار أمكن، ومكانة دولية أرفع للدولة ولشعب الإمارات العربية المتحدة.

إنشاء روابط أوثق بين هذه الإمارات لتكون قادرة على الحفاظ على كيان دولة الاتحاد وكيان أعضائها.

التعاون مع الدول العربية الشقيقة، ومع كافة الدول الأخرى.

تبادل المصالح والمنافع بين الإمارات والدول الأخرى.

النهوض بالدولة الوليدة وشعبها إلى المنزلة التي تؤهلهما للوصول إلى المكان اللائق بهما بين الدول المتحضرة وأممها.

الحفاظ على استقلال الاتحاد وسيادته وعلى أمنه واستقراره، ودفع كل عدوان على كيانه أو كيان الإمارات والأعضاء فيه.

حماية حقوق وحريات شعب الاتحاد وتحقيق التعاون الوثيق بين إماراته لصالحها المشترك من أجل هذه الأغراض، ومن أجل ازدهارها وتقدمها في المجالات كافة.

توفير الحياة الأفضل لجميع المواطنين مع احترام لاستقلال وسيادة الإمارات الأخرى في شؤونها الداخلية في نطاق الدستور.

طباعة Email