حمد بن صراي لـ «البيان»:

الإمارات قصة تطور متفردة زادها الأصالة وبوصلتها الفكر

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

أكد الباحث التاريخي د. حمد بن صراي، الأستاذ في قسم التاريخ والآثار بجامعة الإمارات، في حوار مع «البيان» أن دولة الإمارات العربية المتحدة، حققت خلال مسيرتها في الـ50 عاماً الماضية، إنجازات استثنائية في كافة الحقول، وخاصة في مجالات الثقافة والآثار والتاريخ، موضحاً أن الدولة نجحت في ظل الاتحاد المجيد، في حفظ موروثها وأصالتها بموازاة إطلاق مبادرات ومشروعات ثقافية متميزة، كفلت مواكبة التقدم العصري وتبيان حقائق عراقة حضارتنا وصون كنوز آثارنا وتاريخنا. وشدد بن صراي على أن هذه النجاحات المحققة، تتطلب من الأجيال الجديدة، ومن كافة أفراد المجتمع، كل في ميدان عمله، البناء عليها وتذخيرها بباقة من الإنجازات الجديدة، التي تضمن تعزيز مكانة دولتنا وتثري رؤى الاتحاد والقيم التي رسخها قادتنا وأرادوها أساساً متيناً وخلاقاً لهذه الدولة العصرية الحضارية المحلقة بجناحي العراقة والتطور في كافة الميادين، وتالياً نص الحوار.

1 كيف تصف وتلخص ما حققته الدولة في ظل الاتحاد المجيد من نجاحات وإنجازات في الخمسين سنة الماضية، على صعيد علوم التأريخ والتوثيق والبحث، بجانب التنقيب والدراسة المعمقة حول تاريخنا وآثارنا المكتشفة؟ وما الذي نحتاجه في هذا الشأن، خلال الخمسين عاماً المقبلة؟

مما لا شكّ فيه أنّ بعثات التنقيب عن الآثار في دولة الإمارات العربية المتحدة قد قطعتْ شوطاً كبيراً في إماطة اللثام عن مكنونات أرض الإمارات، وما مرّ بها من حضارات عبر الزمن. وما كان هذا أن يتحقّق دون تشكّل الاتحاد في عام 1971. ومن خلاله تمّتْ المحافظة على كنوز الدولة الأثريّة. وعبره عُرضتْ الآثار في متاحف الدولة المختلفة.

وفي الوقت نفسه فإنّ ميدان التنقيب عن الآثار أصبح مكاناً لتخريج وإعداد الكوادر المواطنة المؤهّلة في هذا العِلم الحيوي المتجدّد. وكان لصدور قانون حماية الآثار وقع حسن في الحفاظ على الكنوز الأثرية وتنظيم عمل بعثات التنقيب الأجنبيّة.

كما تحقّق الآن نشر نتائج التنقيبات الأثريّة في دوريات علمية محترمة، وعُرضت هذه النتائج في مؤتمرات عالميّة لها سمعتها العلميّة الكبيرة، مما أسهم في وصول أخبار آثار الإمارات إلى العالم، وإلى القرّاء العرب وغيرهم. ونأمل أن تتواصل عمليّات التنقيب في أراضي الدولة، وفي بيئاتها المختلفة بطريقة أكثر تنظيماً وعمقاً حتى تغطّي المدى الجغرافي للدولة.

ولا يمنع ذلك أيضاً من مواصلة عمليات التنقيب الأثري في بعض المواقع التي توقّف فيها التنقيب منذ تسعينيات القرن الماضي. ومن هذه المواقع المهمّة، موقع جلفار التاريخي، بالإضافة إلى عقد مؤتمرات علميّة حول التنقيبات في دولة الإمارات العربية المتحدة، ورسم خارطة أثريّة للدولة بناءً على الحقب الزمنيّة.

إن ما تحقق وتحصل في هذا المجال، بفضل رؤى مؤسسي الدولة، وفي ضوء منارات فكر المغفور لهما، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما. ولا ننسى طبعاً الفضل الكبير لقادتنا الأجلاء الذين حملوا لواء وشعلة المسيرة باقتدار وحنكة فتبنوا خير مناهج العمل الثقافي والعلمي التي جعلت دولتنا في الصدارة بكافة الميادين.

لا شك إن كم ونوعية المنجز المحقق في هذا الصدد، يجعلنا فخورين بحرص دولتنا الغراء على تاريخها وهويتها وجذورها، بموازاة اعتنائها بموكبة شتى صنوف التطور العصري العالمي، حيث نجد دار زايد في وقتنا الحالي، تنافس وتضاهي أكثر الدول تقدماً في مجالات التكنولوجيا العصرية والذكاء الاصطناعي واستكشاف الفضاء، ذلك جنباً إلى جنب، مع تركيزها على حفظ تراثها وقيمها وأصالتها، إذ يشغل مؤسساتنا الاتحادية والمحلية، وعلى رأسها وزارة الثقافة والشباب والهيئات المتخصصة بالتراث، التركيز على إثراء علاقة الشباب بموروثهم، وجعلهم يعلمون بعمق ماهيته ومكوناته.

2 ماذا عن أهمية ودور إكسبو 2020 دبي، بوصفه أحد أوجه ونتاجات ثراء العمل الثقافي في الدولة؟ وكيف ترى كباحثٍ ومحقّق أهمية هذا الحدث العالمي بالنسبة لمستقبل دولتنا؟

في إكسبو 2020 دبي، تستعرض دول العالم حضارتها وتراثها، وتعرض واقعها العلمي والتربوي وآخر ما توصّل إليه علماؤها من اختراعات، وهي كلّها تصبّ في بوتقة واحدة تتبادل فيها حضارات العالم تجاربها وخبراتها، فيتحصّل الزائر على معرفةٍ من نوعٍ ما تؤهّله للوصول إلى قناعة بالتواصل العالمي بين الأمم والشعوب في فترة تجاوزت فيها الأمم الانعزال السابق، ودخلت في إطار العلوم المُتبادَلة بين الشعوب.

ودبي بما فيها من مؤهّلات إدارية وقياديّة وعمليّة تجعلها المكان المثالي لهذا المعرض الدولي الكبير، ففي هذه المدينة المزدهرة تتلاقى الأفكار وتتحاور الرؤى فتخرج بتصوّر جميل حول الحياة الواحدة على كوكب الأرض.

ومن خلال هذا المعرض الحيوي تستعرض الإمارات ثقافتها وتراثها وحاضرها ومستقبلها وتقدّمه للجمهور، على اعتبار أنّ ثقافة الإمارات وما تمثّله من نهضة على كافة المستويات هي المكان الأنسب لتحاور الثقافات.

3 ما رؤيتك وتوقّعاتك بخصوص مستقبل الدراسات التاريخية بالإمارات في الخمسين عاماً المقبلة؟

من حُسن الحظّ أنّ جامعة الإمارات العربية المتحدة، وغيرها من الجامعات الرائدة في الدولة، تولي الدراسات التاريخيّة اهتماماً كبيراً من خلال التخصّص في التاريخ والآثار والسياحة والتراث.

وقد قطعنا شوطاً متميّزاً في هذا المضمار، وتخرّج في أقسام التاريخ الكثير من الطلبة يسهمون الآن في النّهضة الشاملة للدولة، فالدراسات التاريخيّة إذن في سموّ وارتقاء مهما قيل عن هذا التخصّص، إلا أنّ خرّيجي التاريخ يبقى لهم تميّزهم بما لديهم من معرفة بما مرّ من أحداث في تاريخ البشريّة، بالإضافة إلى أدوار مقدّرة ومؤثّرة يقوم بها معهد الشارقة للتراث، والأرشيف الوطني، وهيئة الشارقة للوثائق والأرشيف، ومركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، ونادي تراث الإمارات، وغيرها من الهيئات والإدارات.

وعن طريقها تنظّم الدورات والمحاضرات وورش العمل، وإصدار الكتب القيّمة، والمجلّات العلميّة. وأود أن أشير في هذا السياق، إلى أن متابعة وحرص قادتنا الميادين، يلعب كبير الدور في تأهيل شبابنا ومدهم بأفضل وأرفع المستويات العلمية والمعرفية، ليكونوا جديرين بحمل مسؤوليات العمل الثقافي والفكري، والنهوض بمبادرات ومشروعات معرفية ترسخ قواعد تفرد دولتنا.

4 هل تعتقد أن دراسة التاريخ مفيدة لاستقراء الأحداث المستقبلية؟ وما تقييمك لحال الآثار المكتشفة حتى الآن في الدولة ودور وإسهام الدعم الذي تقدمه المؤسسات الرسمية في هذا المجال؟

من المؤكّد أن دراسة التاريخ تنبئ صانع القرار بما مرّ من أحداث في قضايا معيّنة قد تتكرّر إذا ارتُكِبت الأخطاء السابقة، ولهذا فإنّ تجنّبها يؤدّي إلى نجاحات باهرة ربما لم تتحقّق فيما مضى، وهذا بفضل استفتاء أهل التاريخ في بعض المسائل ليقدّموا رأياً مناسباً للحدث والفترة، ويثيروا بالتالي نقاشاً وحواراً بنّاءً.

وقراءة التاريخ تجنّب الوقوع في الأخطار والأخطاء، وتحفّز الفكر الفعّال. وما اكتُشِف من آثار حتى الآن يدلّ على ما بُذل من جهود اتحاديّة ومحلية في التنقيب عن الشواهد الحضاريّة السابقة. ولكن مثل هذه الإنجازات تتطلّب تضافر الجهود بين كلّ المؤسّسات والهيئات والإدارات في الدولة، لأنه من دون التعاون المثمر لن يتمّ الوصول إلى النتائج المرجوّة.

5 ما المنهج والركائز التي يجب على شبابنا الالتزام بها في مستويات ومضامين عملهم الثقافي لدعم استمرارية مشروعات التنمية والتطوير الثقافي في دولتنا؟

على شبابنا الصبر والتأنّي، وعدم الاستعجال في اقتطاف ثمرات العمل قبل نضوجها واكتمالها، وعليهم القراءة المستنيرة المطّلعة، وزيارة المكتبات، وتقليب أوراق الكتب والدوريات العلميّة والمجلّات، خاصّة أنّ كثيراً من معلوماتها غير مفهرسة، وغير متوفّرة إلكترونياً، وعليهم توطين أنفسهم على الجلوس في المكتبات، واستشارة المختصين، وعدم الاستعجال في إبداء الآراء.

وأحذّرهم من أن يكونوا من الهواة، وعليهم أن يعملوا على تطوير ذواتهم من خلال القراءة والمؤتمرات وإلقاء المحاضرات وزيارة المكتبات العالميّة، وألا تخلو بيوتهم من مكتبات خاصّة تثري حياتهم الثقافيّة.

إن عملية المراكمة والاستزادة المنهجية في التحصيل الثقافي، أساس بناء الباحث المتمكن والمؤرخ المؤهل. إن الاستفادة من كافة الخبرات والحرص على الاطلاع على مناهل وتجارب ثقافية وبحثية عديدة ومتمايزة، هو ما يجعل الباحث الشاب يستند إلى ذخر وأرضية ثريين في عمله ورؤاه.

فكلما كانت عملية البناء الفكري والمنهجي البحثي للشباب، دقيقة وقائمة على أسس اكاديمية وثقافية ثرية، كلما ضمنا وجود بحاثة شباب موثوقين ونستطيع التعويل عليهم بحق، ليقودوا مسيرة البحث والعمل الفكري في المستقبل.

6 ما الذي تقترحه على المؤسسات المختصة في حقول التأريخ والتأليف، مستقبلاً، لتكون نتاجاتنا المتنوّعة ثرية المضمون والقيمة؟

تبنّي الكتّاب من شباب وكهول، من خلال إصدار كتبهم ومؤلَّفاتهم، بالإضافة إلى تبنّي مشروعاتهم البحثيّة ودعمها، وتسهيل مهامّهم الثقافيّة، وتقديمهم في المحاضرات المصاحبة لمعارض الكتاب، وتطوير يوم المؤلِّف الإماراتي، ولا ننسى تحكيم البحوث تحكيماً علمياً مناسباً ومقبولاً.

إن ما هو متوفر من مبادرات ومشروعات رسمية ومجتمعية، في هذا الشأن جيد وثري، ولكننا نحتاج لمواكبة متطلبات العصر وكافة المستجدات العلمية والتطورات الفكرية، لتنويع وتكثيف أشكال هذه المبادرات والمشروعات التي تغني مستويات ثقافة وفكر أبنائنا وتأخذ بيدهم وتدعمهم لينتجوا كتباً وأبحاثاً ودراسات متنوعة وثرية.

7 بناءً على تجربتك وخبراتك، ما المنهج الأجدى الذي يجدر أن يقتدي به الباحثون الشباب، ليكونوا في المستقبل، مؤهّلين وفق أعلى المعايير، ويرتكزوا إلى النهج العلمي الفاعل ويحصدوا في ضوئه أهم النتائج وأفضلها؟

كما ذكرتُ آنفاً عليهم بالصبر والتأنّي، والهدوء، والميل إلى الاستقرار الفكري والاستنارة المبصرة التي تتوافق مع ركائز المجتمع، وعدم الاصطدام بها رغبة في الشهرة والظهور والبروز المؤقّت، ومنح النّفس فرصة للتأمّل والمراجعة والاستشارة، ولا يمنع أن يعرضوا منتجاتهم على مختصين يقرؤونها لهم قبل صدورها.

8 هل نحتاج بالفعل إلى تأسيس جمعية تاريخية متخصّصة في دولة الإمارات، تعمّق وتجذّر البحث التاريخي والأثري، تعزيزاً وتدعيماً لمسيرتنا الخمسينية المقبلة؟

طبعاً نحن في أمسّ الحاجة إلى ذلك أسوة بما يوجد في دول الخليج الأخرى، خاصّة أنّ مؤرّخينا والباحثين في التراث لهم حضور في جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وأنا في مجلس إدارة الجمعية لأكثر من 15 عاماً، وتولّيت رئاسة الجمعية لفترة معيّنة حسب المعمول به.

وعندنا في الإمارات كثيرون من المختصين في التاريخ والتراث والسياحة والآثار. وسوف تتولّى الجمعيّة الحديث عن كثير من القضايا والمسائل التاريخية والتراثية التي تخصّ الدولة أمام الإعلام وفي المؤتمرات الدوليّة. كما توجد جمعيات مشابهة للصحافيين والمعماريين والمهندسين وغيرهم.

 

 

طباعة Email