درهم واحد، ثلاث قطع من خبز البراتا، وخمسون عاماً من التطور

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

اتخذت قراري بالانتقال إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1993. كنت قد أعددت خطة مدتها خمس سنوات ظننت أنني سأغادر مومباي إلى الإمارات العربية المتحدة لأجني رزقاً كريماً وأعود بعدها إلى الوطن.

لم يكن قرار مغادرة مومباي سهلاً، فهذا كان يعني ترك كل شيء أعرفه خلفي. تركت أصدقائي وعائلتي وانتقلت إلى مكان جديد تماماً، ولم أكن أعلم حينها أن دولة الإمارات ستصبح موطني خلال العقود الثلاثة القادمة.

اسمي رسول بشير من ميلابالايام في تاميل نادو في الهند، وأشغل حالياً منصب مديراً ماليا في أبوظبي، وهذه هي قصتي في دولة الإمارات العربية المتحدة.

عندما يفكر الناس في الانتقال إلى بلد ما، فإنهم يبدؤون البحث عن مكان يرحب بهم ويوفر لهم مستوى معيشي جيد. لقد كانت بيئة المعيشة الهادئة في دولة الإمارات العربية المتحدة وتوفر فرص العمل فيها سبب نجاحها في الاحتفاظ بسكانها المغتربين، فقد جعلت قيادة الدولة هذا المكان مركزاً للتسامح والعيش السلمي، والذي عززته رؤيتهم في إنشاء مجتمع يُمَكّن العديد من الناس من اعتبار دولة الإمارات موطناً لهم.

تزوجت بعد سبع سنوات من انتقالي للإمارات، وانضمت زوجتي للانتقال معي، وسرعان ما رزقنا بطفلين قمنا بتربيتهما في دولة الإمارات. أما والداي، واللذان يعيشان في الهند واللذان زارا الإمارات العربية المتحدة لأول مرة عام 1999، فهما يريان في هذا المكان بيتاً ووطناً لهم أيضاً، وقد استمروا في زيارة الإمارات كل عام منذ ذلك الوقت لأنهما لم يشعران بشعور الغربة حتى أصبحا يعودان إليها مراراً وتكراراً.

منذ ذلك الوقت، شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة تطوراً  جذرياً حتى أصبحت ما هي عليه اليوم. 

أتذكر بالتحديد أيام العزوبية في حقبة التسعينيات عندما كنت أنا وأصدقائي نلتقي بعد العمل لقضاء الوقت معاً مع كوب من شاي الكرك وخبز البراتا، ويا لها من أيام! في ذلك الوقت، كان سعر ثلاث قطع براتا هو درهم واحد، بينما كان كوب الشاي بنصف درهم. هل لكم أن تتخيلوا ذلك؟ أعود بذاكرتي إلى تلك الأمسيات الرائعة بحب، وحتى يومنا هذا، كلما التقيت أنا وأصدقائي، نتذكر تلك الأمسيات التي اعتدت أنا وزملائي على تناول عشاء بدرهمين فقط عندما كنا نعمل في مصنع. كانت الحياة بسيطة وسهلة وهو ما جعل البقاء هنا جذاباً جداً. 

كانت الدراهم المعدنية في ذلك الوقت مهمة جداً في حياتنا، فقد كنا نستخدمها للاتصال بعائلاتنا في الوطن. كان لشركة "اتصالات" أكشاك هواتف عمومية في الشوارع، وقد اعتدنا على إدخال درهم تلو  الآخر لنتصل بعائلتنا  مرة واحدة في الأسبوع. كان الناس يقفون في طوابير طويلة أمام أكشاك الهاتف ليتحدث كل شخص منهم لمدة 10 دقائق على الأقل، فقد كانت الدقيقة تكلف 2.5 درهم. لم يكن لدينا في ذلك الوقت أي تقنية اتصال متقدمة أو وسائل التواصل الاجتماعي، كان لدينا فقط كشك الهاتف العام. وقد كان من الطبيعي جداً سماع أحدهم يقول "احتفظ بالدراهم المعدنية" أو "رائع! نعم، أعطني الربيات... فعلي أن أتصل بعائلتي في الأسبوع القادم" وغير ذلك. كان هذا هو الحال حتى عام 2001 عندما تم طرح الهواتف المحمولة.

أتذكر أيضاً مهرجان دبي للتسوق الأول على الإطلاق في عام 1995. كان عرض الألعاب النارية في الساعة الثامنة وأتذكر كيف كان هناك عرض ليزر في اليوم الأخير من المهرجان في خور دبي على مبانٍ مختلفة يصاحبه عرض للألعاب النارية في منطقة الرأس بالقرب من خور دبي. أتذكر كيف استمتعت بها كثيراً وكيف كانت تلك اللحظة رائعة حقاً، ولا تزال حتى يومنا هذا. 

واليوم، صار شباب الإمارات العربية المتحدة على درجة عالية من العلم، وأصبحت التكنولوجيا في كل مكان، ووصلت الإمارات إلى الفضاء. ولو  كان هناك أشخاص لا يزالون يعتقدون أن دول الخليج لا تزال صحراء، فلا بد لهم من تحديث معتقداتهم. إن دولة الإمارات استطاعت أن تحقق الكثير بما يتعلق بالأمن الغذائي. فبعدما أصبح التعليم والتكنولوجيا في متناول أيدي الشباب، أصبح بإمكانهم أن يركزوا على الزراعة والحفاظ على المحاصيل المحلية الأساسية وتغيير المشهد الزراعي في دولة الإمارات العربية المتحدة.

أما بالنسبة للخمسين عاماً القادمة، فإن رؤية قادة الإمارات لا تعرف المستحيل ولم تعد تحدّها السماء، بل انطلقت لأبعد من ذلك. فلقد وصلنا إلى المريخ، وأنشأنا وكالة فضاء ونواصل المضي قدماً لنصل إلى أعلى الدرجات. وأنا أتوقع أن تصبح دولة الإمارات العربية المتحدة في الخمسين عاماً القادمة رائدة في مجال السياحة والتكنولوجيا وكل القطاعات الأخرى، كما أنني أعرف أن الشيء الوحيد الذي لن تتنازل الدولة عنه أبداً هو تراثها وثقافتها وتقاليدها وقيمها. لقد رأيت دولًا غنية بالثقافة ولكنها لا تتطور أبداً، إلا أن الإمارات نجحت في كليهما. وإن شاء الله ستتبوأ دولة الإمارات العربية المتحدة مراكز ريادية في هذا العالم في الخمسين سنة القادمة.

سلسلة مقالات ”بين الخمسين والخمسين” تروي قصص وحكايات لأشخاص عاشوا حاضرهم وماضيهم في دولة الإمارات العربية المتحدة.
www.UAEYearOf.ae 

طباعة Email