دعوة إلى تطوير مخرجات التعليم لتسليح الخريجين بها

المهارات الناعمة.. ضمانة لوظائف المستقبل

ت + ت - الحجم الطبيعي

أكد أكاديميون ومختصون أن المهارات الناعمة، التي يتمثل أبرزها في التواصل، والتنظيم والتخطيط، والعمل ضمن الفريق، والتفكير الناقد، وإدارة الأزمات، تلعب دوراً كبيراً في تحديد نجاح الخريجين، والحصول على فرص عمل متميزة، مشيرين إلى أنه فيما كانت عمليات التوظيف أو الترقية في السابق تهتم بالخبرات المهنية والتخصصية، بدأ التوجه في بيئة العمل المعاصرة ينصب أكثر على المهارات الناعمة لمساهمتها الإيجابية في العمل والإنتاجية، وكفاءة الأداء وتحفيز الابتكار، داعين إلى تطوير مخرجات التعليم لتسليح الخريجين بهذه المهارات.

أفكار خلاقة

وأكد الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن مدير جامعة الوصل أن التعليم العالي له دور كبير في رفع سقف المهارات الناعمة في مخرجاته، حيث إن أسلوب التعليم الحالي والمواد الدراسية وطرق التدريس وبرامج التدريب ومحركات البحث وجودة ونوعية الطاقم الأكاديمي باتت مختلفة عن السابق، ولعل أهم الأسباب هو قدرتها على صقل المهارات الناعمة لدى الخريجين وإعدادهم لسوق العمل، حيث إن المهارات الناعمة تعرف بأنها المهارات والقدرات التي يمتلكها الخريج، والتي تسهم في تطوير ونجاح المؤسسة، التي ينتمي لها، خاصة المؤسسات التي تتعامل مع الجمهور وجهاً لوجه، ولعل أبرز هذه المهارات هي مهارة القدرة على إدارة وتمثيل المجموعة في العمل، والقدرة على تنفيذ الأدوار بفعالية، ومهارة المرونة وقدرة الفرد على استيعاب متطلبات بيئة العمل والتكيف معها، ومهارة التفكير الناقد وإصدار الأحكام على الأعمال، واستنتاج الحلول والأفكار الخلاقة، ومهارة إدارة الأزمات، ومهارة التفاوض.

وأضاف: إن مرحلة التعليم العالي مرحلة مهمة في حياة الطالب، وتمثل نقلة نوعية من مرحلة التلقي إلى مرحلة البحث والتفكير الناقد والإبداع والابتكار، وتصقل شخصية الطالب بمهارات تجعله أكثر وعياً وإدراكاً.

وأشار إلى ضرورة مواكبة التعليم العالي ومناهجه الأكاديمية والبحثية للتطور الحادث على المستوى المحلي والعالمي وتطوير مخرجاته، لتلبية احتياجات سوق العمل المتجددة، وبما يصقل شخصية الطالب وتنمية مهاراته، ليسهم بفاعلية في تنمية وبناء مجتمعه ونهضة دولته.

تغيرات متسارعة

بدوره قال الدكتور نورالدين عطاطرة المدير المفوض لجامعة العين: إن الخريجين أمام تحديد كبير، حيث يشهد سوق العمل تغيرات متسارعة في ظل التطورات التكنولوجية المتلاحقة في بيئة الأعمال، التي باتت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، كما أن أساليب التوظيف في مختلف أنواعها أصبحت لا تهتم فقط بالخبرات المهنية للأفراد فحسب، حيث بدأ التوجه في بيئة العمل المعاصرة ينصب أكثر فأكثر على ما بات يسمى بالـ«المهارات الناعمة» باعتبارها ميزة ذات قيمة مضافة، يتمتع بها الفرد خارج نطاق تخصصه الوظيفي.

وأضاف الدكتور عطاطرة: إن هذه المهارات تشمل روح التعاون والعمل الجماعي ضمن فريق العمل، والإبداع مع التفكير خارج الصندوق، والتفكير النقدي، والقدرة على حل المشاكل والأزمات بكفاءة، والتواصل الفعال، ومهارات العرض والتقديم، والمرونة في التعامل مع مستجدات ومتغيرات بيئة العمل، والطموح للتعلم المستمر، مشيراً إلى أنه إذا كانت الخبرات العملية قد ساعدت صاحبها في الوصول إلى مقابلة عمل، فإن المهارات الناعمة هي الضوء الأخضر لحصول الفرد على هذا العمل.

علم النفس الصناعي

وقال الدكتور يوسف العساف رئيس جامعة روشستر للتكنولوجيا بدبي: إن طلبة الجامعات ليس فقط مطلوباً منهم إعداد مشاريع خاصة، وإنما أيضاً إعادة تكوين أنفسهم بشكل متواصل، لمواكبة التغيرات التكنولوجية، ومن هنا تبرز أهمية علم النفس الصناعي، لأن العديد من الناس سيكونون مضطرين للتعامل مع التكنولوجيا في مختلف الميادين، ما يتطلب نوعاً من المهارات الناعمة، التي تمكن صاحبها من التماشي مع التطور التكنولوجي المتسارع.

وشدد على ضرورة أن تعد الجامات برامج تعيد تكوين مهارات الطالب والخريج بشكل متواصل، من خلال التدريب الميداني على التكنولوجيا وتحديثاتها المستمرة، بحيث يصبح جزءاً من تطورها وليس تعلمها فقط.

وأوضح العساف أنه يجب أن يتحلى الطالب بروح العمل مع الفريق المؤلف من عدة جنسيات وأعراق، كما يفضل أن تتحلى الجامعات بهذا التنوع سواء في حرمها الجامعي أو مع شركائها، بحيث ينخرط الطالب مع هذا التنوع، ويكون جزءاً من العملية التعليمية، لافتاً إلى أن تعليم الطالب طريقة التفكير الناقد مهم جداً، بحيث لا يتقبل القضايا من دون تفكير، إلى جانب الابتعاد عن التعليم التقليدي أو التلقيني بمعنى أصح.

برامج تدريبية

من ناحيته قال الدكتور عصام الكردي رئيس جامعة العلمين الجديدة بمصر، إن المهارات الناعمة هي كل ما يتعلمه الطالب خارج برنامجه الدراسي مثل كيفية تقديم نفسه لسوق العمل، وما تعلمه من مهارات مثل استخدام الحاسب الآلي، وعمل وشرح العروض التوضيحية ومهارات البرمجة والتفاعل مع منصات التعلم الذاتي الدولية، التي تعرض العديد من البرامج التدريبية، التي تؤهل الشباب لفرص العمل المعتمدة على استخدام التكنولوجيا مثل عمل التطبيقات الإلكترونية على أجهزة التليفون، وكذلك تصميم الألعاب الإلكترونية والأمن السيبراني وإنترنت الأشياء، وغيرها من وظائف الثورة الصناعية الرابعة والخامسة.

وأضاف: إنه من ضمن المهارات الهامة التي يجب على الطالب اكتسابها هي ريادة الأعمال وكيف يكون مبتكراً لأفكار جديدة وكيفية تطبيقها بالإضافة إلى تطبيق مبادئ الاستدامة الدائمة، التي أصبحت أحد الأهداف، التي تتبناها الدول المتقدمة.

وتابع: نظراً لأهمية هذه المهارات للشباب نتيجة التغير السريع في سوق العمل، لمواكبة التطور السريع في وظائف المستقبل فإن أغلب المؤسسات التعليمية تتيح العديد من البرامج والدورات لطلابها لإكسابهم معظم هذه المهارات مثل مراكز الإعداد والتأهيل الوظيفي ومراكز ريادة الأعمال ومراكز الابتكار.

وحول قياس مدى تعلم الشباب لهذه المهارات أوضح الدكتور الكردي أنه يمكن قياسها عن طريق خلق روح التنافسية وتطبيق ما تم تعلمه في صورة مشروعات، يتم تطبيقها وتقييم المخرجات.

أساليب مبتكرة

من جهته قال البروفيسور عمار كاكا رئيس جامعة هيريوت وات دبي: إنه يصعب التنبؤ بمستقبل التعليم بدقة لا سيما في ظل التغيرات السريعة والمتطورة التي يشهدها، غير أنه من المؤكد أن الوصول إلى المعلومات والمعرفة سيتم بمنتهى السلاسة والسهولة، وبواسطة مجموعة كبيرة من المصادر المختلفة، ومن جميع أنحاء العالم.

وأوضح أن عملية تقييم الطالب ومنحه شهادة سيظلان عاملين مهمين في عملية التعليم العالي المستقبلي، إلا أنه يتعين على الخريج إثبات التسلح بالمهارات والمعرفة المطلوبة للتقدم لوظيفة، الأمر الذي يفرض على جميع المؤسسات التعليمية التركيز على هذا الجانب.

وأشار إلى أن التعليم في المستقبل وفي كل الأنظمة المختلفة سيتطور من حيث الأساليب المتبعة لتقديم العلم، وستكون الجامعات والمؤسسات التعليمية قادرة على تطبيق التعلم المتمحور حول الطلاب بشكل أكبر وستصبح أولوية المؤسسات التعليمية تقديم المحتوى للطالب بشكل مختلف وتقديم تجربة تعليمية استثنائية ومختلفة بأساليب مبتكرة وغير تقليدية.

ولفت إلى أن التعليم سيصبح أكثر مرونة ليتمكن الطلاب أو الموظفون من تحصيل العلم وصقل مهاراتهم ومعرفتهم، وبالتالي يصبح التعلم مدى الحياة نهج شائع، وسيتمكن الموظف الحالي من الحصول على شهادات صغيرة، لتمكنه من مواكبة التغيرات الطارئة على سوق العمل الحالي، ومن أكثر من مصدر وبطرق مختلفة.

وأضاف: بلا شك أن الهدف الأساسي هو تجهيز كوادر شابة ومواهب مؤهلة ومهرة، كما أن المزيد من الناس سيحتاجون إلى تعليم عال، لأن من المتوقع أن الكثير من المهن التي تتطلب مجهوداً بدنياً وحتى بعض الوظائف المكتبية وخدمة العملاء ستكون مؤتمتة ومعتمدة على التكنولوجيا بشكل كبير، وبالتالي قد تختفي هذه الوظائف، وسيصبح خريج الجامعة في المستقبل أكثر استعداداً لسوق العمل ومصقلاً بالمعرفة، بالإضافة إلى المهارات الناعمة والشخصية المطلوبة، كما سيصبح أكثر مرونة وأكثر استعداداً لصقل مهاراته ومعرفته أينما كان وفي أي وقت بعد التخرج وسيصبح اتخاذه لهذا القرار سهلاً لأن الخيارات متوفرة لمساعدته في الحصول على شهادات إضافية، كما سيصبح الخريجون أكثر استقلالية وثقة في أخذ القرارات وحل المشكلات عندما يواجهون أي تحد في سوق العمل، وذلك بسبب المهارات الناعمة التي نسلط عليها الضوء كمؤسسات تعليمية، والتي سيكتسبونها أثناء دراستهم ومشاركتهم في مشاريع مختلفة.

تأهيل

وأوضح الدكتور فارس هواري عميد كلية العلوم الطبيعية والصحية في جامعة زايد أنه يتم تأهيل الطلبة على المهارات الناعمة في الجامعات عن طريق برامج التدريب وورش العمل، للارتقاء بأداء الأساتذة لرفع مستوى الكفاءة التعليمية لديهم، من خلال تعزيز وتطوير بعض المهارات الفاعلة ومن ثم يصبحون قادرين لتعليم الطلاب المهارات الناعمة، هذا بالإضافة إلى دمج المهارات الناعمة في العديد من البرامج والمناهج التي تدرس في الجامعات، والتي تتطلب العمل الجماعي مثل تدريب الطلاب على الإلقاء، والتحدث بطلاقة ومهارة الإصغاء والاستماع والقدرة على إعطاء تغذية راجعة، ومهارات العمل ضمن الفريق، والقدرة على إدارة وتمثيل المجموعة في العمل، والتعاون مع فريق العمل.

وشدد على أهمية التدريب العملي الميداني، الذي يعد من أهم البرامج، التي تطلب من الطلاب قبل التخرج، لضمان تطوير إمكانات الطالب ووضعه في بيئة عمل حقيقة تساعده على التعرف إلى الكثير من الأمور واكتساب المهارات الناعمة المذكورة أعلاه، والتي قد لا تتوفر على مقاعد الدراسة.

وذكر الدكتور فارس هواري أمثلة على المهارات الناعمة، منها: مهارات التواصل، وتتمثل في القدرة على التحدث بطلاقة ومهارة الإصغاء والاستماع، والقدرة على إعطاء تغذية راجعة وتكوين علاقات اجتماعية ناجحة والقدرة على تحفيز الآخرين.

ومهارات التنظيم والتخطيط: وتتمثل في ترتيب الأولويات وإدارة الوقت، والالتزام بالمواعيد واتخاذ القرارات المناسبة.

ومهارات العمل ضمن فريق: وتتمثل في القدرة على بناء فريق عمل والتعاون مع فريق العمل والاتباع الواعي للتعليمات والقواعد.

ومهارات التأقلم والمرونة: وتتمثل في العمل تحت الضغط والعمل في بيئات متنوعة ثقافياً، واتساع الأفق وتقبل النقد.

ومهارات التفكير الناقد: وتتمثل في القدرة على توليد الأفكار والتفكير خارج الصندوق والنقد البناء.

ومهارات إدارة الأزمات: وتتمثل في مهارة حل المشكلات والتعامل مع المواقف الصعبة والتنبؤ بسلوك الآخرين.

ومهارات الاحتراف: وتتمثل في التوظيف الأمثل للتقنية والرغبة بالتعلم المستمر والبحث عن المعلومات.

تطوير

ومن ناحيته أوضح زياد الحاوي خبير اقتصادي أنه ينبغي على الباحثين عن فرص عمل في ظل التحديات والمنافسة، أن يعملوا على تطوير المهارات المكتسبة، والسعي لتعلم مهارات جديدة من خلال البرامج والدورات التدريبية، والاطلاع والقراءة في جوانب تنمية المهارات الناعمة وصقلها، وعدم الاعتماد على المهارات الصلبة فقط.

وأشار إلى أن اكتساب هذه المهارات لا يأتي من الدارسة وإنما من خلال الاحتكاك بأفراد يمتلكون هذه المهارات والاستفادة منهم، مشيراً إلى أهمية التدريب الصيفي للطلبة لتدريبهم على المهارات الجديدة وممارستها.

وقال: إن العديد من الخريجين الذين يلتحقون بوظائف لا يتمتعون بالكثير من هذه المهارات على الرغم من حصولهم على درجات عالية في البكالوريوس، مشيراً إلى أنه عندما ينتقل الشخص من مرحلة التعلم إلى سوق العمل، يشعر أن هناك اختلافاً كبيراً بين العمل والدراسة، فمن الممكن أن يكون الشخص ناجحاً جداً في دراسته، ولكنه يفشل عندما يبدأ في العمل، وهذا يرجع إلى أنه يفتقد إلى المهارات الناعمة، التي تجعله متميزاً عن غيره، فكل منا لديه القدرة على حفظ المعلومات، وتحقيق النجاح في الدراسة، ولكن القليل منا من يستطيع أن ينجح في سوق العمل.

طباعة Email