تربويون يقدمون مقترحات تلبي مرحلة الطفولة

«التعليم المبكر».. استثمار في المستقبل

ت + ت - الحجم الطبيعي

يعتبر «التعليم المبكر» استثماراً في المستقبل لأنه يعزز عملية الارتقاء في السلم التعليمي للطفل من خلال الإحاطة بمتطلباته وحاجاته ووضعه التعليمي وخبراته وجوانب التطوير وتعزيز المهارات التي هو بحاجة لها، وقدم تربويون ومختصون حزمة مقترحات تتضمن استحداث برامج ووسائل تعليمية، توسع الإدراك الذهني للطفل وتوظف الكفاءات المتخصصة، لاستحداث قاعدة بيانات تربط الجهات المعنية بالطفولة المبكرة بشكل كامل. 


وأكد الدكتور سعيد مصبح الكعبي رئيس مجلس الشارقة للتعليم أن استحداث هيئة اتحادية للتعليم المبكر وتعيين وزيرة دولة للتعليم المبكر مهم للغاية كونه سيعمل على توحيد الجهود والاستفادة من الخبرات لاسيما في الشارقة التي تمتلك تجربة جديرة بالاهتمام، داعياً إلى ضرورة الاهتمام بتنمية المهارات المتكاملة والمتنوعة للطفل، وتوفير الحماية اللازمة مع غرس منظومة القيم السليمة في نفوس الأطفال، مؤكداً أهمية تثقيف أولياء الأمور بالطرق الصحيحة للتعامل مع الأطفال وهي نقطة في غاية الأهمية أيضاً.


تجارب ناجحة


ورأى محمد الملا أمين عام مجلس الشارقة للتعليم ضرورة الانطلاق من التجارب الناجحة الموجودة في الدولة والبناء عليها، كما طالب باستحداث قاعدة بيانات واضحة تربط الجهات المعنية بالطفولة المبكرة بشكل كامل، كما تحدث عن انتقاء الخبرات المناسبة للعمل في مجال الطفولة المبكرة من خلال إيجاد قاعدة بيانات للعاملين في الطفولة المبكرة والباحثين عن عمل فيها لأن هذه الفئة على درجة من الأهمية وانتقاء الكفاءات ضروري للغاية.


حماية الطفل


ويأمل المستشار فيصل محمد الشمري رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات لحماية الطفل من الهيئة الاتحادية للتعليم المبكر التي تم استحداثها مؤخراً، أن تنهج القيادات التربوية الجديدة ذات الاهتمام المؤسسي بحماية الطفل والأخذ بالجانب الاستباقي والوقائي مع التوعية ورصد فرص التحسين والممارسات العالمية في هذا الجانب، إلى جانب دعوته لاستكمال تطبيق سياسة حماية الطفل التي تشرفت جمعية الإمارات لحماية الطفل بمشاركة وزارة التربية والتعليم في تطويرها وتطبيقها بشكل غير مسبوق ومبهر، واستحداث شواغر لاختصاصي حماية الطفل وتدريبهم والأخذ بتجربة كل من دائرة الخدمات الاجتماعية في إمارة الشارقة كأول جهة دربت وتابعت حصول منتسبيها على الضبطية القضائية ووزارة التربية والتعليم كأول جهة اتحادية، وهيئة الطفولة المبكرة في أبوظبي والتي أسهمت في رفع عدد اختصاصي حماية الطفل في الدولة.


معايير
وأفادت موزة الشومي نائب رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات لحماية الطفل، بأن مرحلة التعليم المبكر بحاجة إلى تحديد معايير تشغيل العاملين مع الأطفال ليس فقط في المؤسسات التعليمية وإنما في جميع الأنشطة التي تتعامل مباشرة مع الأطفال سواء الاقتصادية أو التجارية أو الرعاية الاجتماعية أو الصحية، وأن يكون هناك نظام تدقيق خاص بهؤلاء العاملين من خلال استحداث منصة يمكن من خلالها إخضاعهم إلى فحص نفسي والتدقيق على تقديمهم شهادة خلو جنائي من بلاد المنشأ، وذلك للتأكد من أنهم مؤهلون للتعامل مع الأطفال.


كفاءات


ورأى جاسر محاشي رئيس لجنة البحوث والدراسات بمجلس أولياء أمور طلاب وطالبات الشارقة، أن استحداث هيئة اتحادية للتعليم المبكر وتعيين وزيرة دولة، جاء لتطوير الاستراتيجيات والبرامج ذات الصلة بالمتطلبات التربوية والتعليمية لمرحلة الطفولة المبكرة من الولادة وحتى الصف الرابع والإشراف المباشر والمتخصص على تطوير بيئة التعليم في هذه المرحلة العمرية الهامة للطفل، تضمن تمكينه من تطوير مهاراته وصقل شخصيته بالتشارك مع مختلف مؤسسات المجتمع لتعزيز أدوار الجميع، وتحمل مسؤولياتهم في هذه المرحلة لضمان اتباع أساليب التربية الشاملة (الصحية والسلوكية والوطنية والاجتماعية والأكاديمية) بهدف تخريج أجيال مكتملة البناء تسمو بنفسها ووطنها.
 
مبادرة رائدة
وتحدث الدكتور أحمد العموش أستاذ علم الاجتماع في جامعة الشارقة، عن أهمية التعليم المبكر باعتباره استثماراً في طاقات الأطفال وتنمية مهاراتهم الفكرية والحياتية ودمجهم مبكراً في الحياة والمحيط الاجتماعي، واصفاً وجود هيئة متخصصة بالطفولة المبكرة مبادرة رائدة على مستوى الوطن العربي لأنها تسعى لتشكيل هوية وثقافة الطفل باعتباره عنصراً فاعلاً في المجتمع.


واقترح العموش إجراء دراسات نوعية والتعرف إلى قدرات الأطفال وتنمية المهارات، معتبراً تأسيس الأطفال في مراحل سنية صغيرة يسهم في خفض عدد المشكلات السلوكية وتعزيز تقدير الذات والتحلي بالمسؤولية والأخلاق، مطالباً بالتركيز على المناهج المتوائمة مع البيئة المحلية ووجود خبراء متخصصين في الطفولة.


رعاية
وأكدت عائشة بن بطي، الخبيرة التربوية في مجال رعاية الأطفال، أهمية استحداث سياسات للاهتمام بالطفل من عدة جوانب، أبرزها جانب الرعاية من خلال تنفيذ برنامج إعداد وتأهيل الوالدين يحتوي على طرق وأساليب رعاية الطفل والتعامل معه، وإعداد مراكز داعمة للوالدين في تقديم استشارات لتطوير مهارات الطفل وإعداده للمستقبل، فضلاً عن توفير أدلة وبرامج تثقيفية وتوعوية بملامح نمو الطفل وطرق تنميتها، واستحداث ملف للطفل يحوي بيانات أساسية مثل الجانب الصحي ويشمل بيانات عن فترة الحمل والولادة والتطعيمات ومراقبة النمو وسلامة الطفل النفسية، إلى جانب الجانب الاجتماعي من خلال توضيح البيئة التي يعيش فيها الطفل (معلومات وافية عن الأسرة والمستوى المعيشي والاقتصادي)، وأخيراً الجانب الأكاديمي من خلال تقارير عن قدرات ومهارات الطفل والاختبارات الخاصة الذي يخضع لها.
 
أدلة إرشادية
بدوره أكد الخبير التربوي الدكتور ماهر حطاب أهمية وضع رؤية طموحة لهيئة التعليم المبكر وسياسات واضحة بحيث تشمل كافة مجالات العمل في الهيئة الجديدة المستحدثة وتحدد أسلوب العمل في المدارس ورياض الأطفال والحضانات.


كما أوصى بأهمية وضع أدلة إرشادية تساعد القيادات والعاملين في مؤسسات التعليم المبكر بحيث تساعد هذه المؤسسات على أداء العمل بطريقة احترافية، وتحديد المؤهلات التخصصية والدورات الإثرائية التي يتطلب توفرها في الكادر التعليمي لمؤسسات التعليم المبكر حتى يكونوا قادرين على أداء مهمتهم بمستوى جودة عالية ولتحقيق نتائج عالية ومضمونة، ووضع توصيف وظيفي صارم للكار القيادي والتعليمي والإداري والفني في مؤسسات التعليم المبكر.
 
جودة الأداء
واعتبرت أسماء سعيد خذيل نائب مدير أكاديمي في إحدى المدارس الحكومية، أن إنشاء هيئة اتحادية للتعليم المبكر لمرحلة الطفولة دلالة على اهتمام دولة الإمارات بهذه المرحلة ويعكس ما تحظى به هذه المرحلة من اهتمام من قبل القيادة، حيث إنها هي مستقبل الدولة، وتعتبر خطوة استباقية نوعية لتحقيق المؤشرات التي نطمح إليها في دولة الإمارات.


ولفتت إلى أهمية الهيئة في وضع وتنفيذ خطط شمولية للاهتمام بالطفل منذ ولادته وحتى الصف الرابع تعليماً، وصحةً، ومهارات، وبناء شخصيته وهويته الوطنية وذلك لأن هذه المرحلة نوعية ومختلفة في خصائصها عن بقية المراحل التعليمية.
 
دعم متواصل
وقالت فاطمة الكعبي، مستشار تربوي أسري، إن الاهتمام بالطفولة هو استثمار في المستقبل، إذ إن النظام التعليمي في العالم مرتكز أساسي وعمود فقري لأي مجتمع متطور، فإذا صلح قطاعا التعليم والصحة صلحت باقي العناصر الارتكازية، مشيرة إلى أهمية توفير الرعاية الشاملة والدعم المتواصل للطفل من خلال إرساء بيئة آمنة ومستقرة تعزز النمو المتكامل للطفل وتسهم في تنشئته على منظومة القيم الإيجابية والمبادئ السامية لمجتمع الإمارات وترسخ فيه قيم المواطنة والمسؤولية الاجتماعية وتمكينه ليكون عنصراً فاعلاً ومثمراً في المجتمع الذي ينتمي إليه، وقادراً على المساهمة الفاعلة والإيجابية، كما أن توفير بيئة تحفز الأطفال على الإبداع والابتكار تمنحهم ريادة المستقبل وحمايتهم من المخاطر والتحديات وتقديم كافة أوجه الرعاية والاهتمام بهم من خلال وضع خطط متكاملة ومبادرات مبتكرة وخلاقة، وفتح الأبواب أمام الحلول الإبداعية.
 
جهود


ودعت أمل زيد ناصر رئيس وحدة شؤون أكاديمي بإحدى المدارس الحكومية إلى ضرورة الاهتمام بتمكين الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة بالمهارات التعليمية الأساسية والاجتماعية، كإتقان المهارات الخاصة باللغة العربية والقراءة والكتابة إلى جانب تطوير مهارات التواصل، مؤكدة أن تنشئة الطفل في مراحل عمره السنية الصغيرة واحتواءه بشكل كامل من شأنه خلق شخصية متوازنة قادرة على مواصلة درب التطوير والنماء ما يستدعي تضافر جهود جميع المؤسسات والدوائر والأفراد.


وقالت باولا فين، نائب مدير المرحلة الابتدائية في أكاديمية جيمس ولينغتون: إن إنشاء هيئة اتحادية للتعليم المبكر سيسهم في رفع مستوى الوعي حول الدور الذي يلعبه التعليم في السنوات الأولى من عمر الأطفال في وضع أسس قوية للتعلم في المستقبل، كما أنه سيساعد في زيادة عدد الأطفال الملتحقين بسنوات التعليم المبكرة قبل دخولهم إلى المدرسة، الأمر الذي سينعكس حتماً على تقليص عدد الطلاب الذين يحتاجون إلى التدخل والدعم في وقت لاحق.
 
دراسة دولية
وقدم تقرير جديد للبنك الدولي صدر مؤخراً بعنوان «جودة التعلم المبكر: تنمية قدرات الأطفال علم التعلم المبكر»، المشورة العملية بشأن العناصر والمبادئ الرئيسية لتحقيق جودة التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة وحشد التقرير مجموعة من الخبراء البارزين المتعددي التخصصات في مجال التعلم المبكر بغية استخلاص الشواهد على الممارسات ذات المردود من حيث التكلفة لدعم تعلم الأطفال في السنوات الأولى بالبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.


ويسهم تدني إمكانية الحصول على التعليم وسوء نوعيته في مرحلة الطفولة المبكرة في أزمة التعلم العالمية. إذ تشير التقديرات إلى أن 53% من الأطفال في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل «يتعلمون تعليماً فقيراً»، أي أنهم غير قادرين على قراءة نص قصير وفهمه بحلول سن العاشرة. ولم تؤد جائحة كورونا إلا إلى تفاقم أزمة التعلم، مع توقع ارتفاع فقر التعلم إلى أكثر من 70%. وفي الوقت الذي تسعى فيه البلدان إلى إعادة البناء على نحو أفضل بعد الجائحة، حتى وهي تواجه قيوداً شديدة على الموارد، يجب أن يكون الاستثمار في التعليم الجيد في مرحلة الطفولة المبكرة جزءاً لا يتجزأ من الخطط الوطنية للتعافي وتسريع وتيرة التعلم.


 وشدد التقرير على ثلاث نقاط رئيسية أولها يجب أن يكون توسيع نطاق الوصول إلى التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة متوازناً مع الجهود الرامية إلى ضمان الجودة وتحسينها. وثانيها ضمان أن تؤدي الاستثمارات في التعليم في مرحلة التعليم المبكر إلى تحسين جودة التعلم، وثالثها يجب ألا يتجاوز نطاق التوسع في التعليم في تلك المرحلة السرعة التي يمكن بها ضمان الحد الأدنى من الجودة.
       

طباعة Email