العمل بعيداً عن التخصص.. إهدار للطاقات وضعف الإرشاد الأكاديمي المتهم الرئيس

يفرض سوق العمل في كثير من الأحيان على خريجي الجامعات وظائف لا علاقة لها بمجال التخصص الأكاديمي الذي اختاروه، لتقف أحلام هؤلاء الشباب معلقة بأن تتحقق أمانيهم بالحصول على الوظيفة التي تتناسب مع مؤهلاتهم الجامعية، على اعتبار أن الهدف من الوظيفة لا ينحصر في مجرد توفير راتب شهري، وإنما جملة من المبادئ والأهداف التي من أجلها انخرط الطالب أو الطالبة في تخصص بعينه.

وأجمع عدد من الشباب على أن العمل بعيداً عن التخصص الجامعي إهدار للطاقات وقتل للإبداع، ولا يشكل إضافة نوعية في الخبرات المتوفرة، وقلما ينجح من يذهب للعمل في وظيفة لا علاقة لها بتخصصه، مؤكدين أن الجهات التي وظفتهم لم تلتفت إلى التخصص الدراسي بقدر اهتمامها بمهاراتهم الوظيفية. فيما أكد متخصصون أن ضعف الإرشاد الأكاديمي للطلبة، وغياب التنسيق بين سوق العمل والجامعات، أفرزا عدم توازن بين أعداد الشواغر الوظيفية وأنواعها والباحثين عن عمل من خريجي الجامعات، ما أدى إلى وجود أشخاص يعملون في غير تخصصاتهم الدراسية.


في البداية يقول عمر الحاج، خريج كلية الهندسة في كليات التقنية العليا تخصص «الميكاترونيكس»، إنه لم يجد وظيفة تناسب مؤهلاته الجامعية، داعياً إلى توعية طلبة المرحلة الثانوية بالتخصصات التي يحتاجها سوق العمل حتى يستطيع الخريج تقديم أفضل ما لديه من ملكات في مجال العمل الذي سيلتحق به، مشيراً إلى أن الموظف عندما يتم تعيينه في مجال لا يمت لتخصصه بصلة يصبح عبارة عن طالب يتعلم من جديد، وبالتالي يتطلب منه عمله الجديد انتظار فترة طويلة قد تستغرق شهوراً كي يتفاهم مع الميدان، ويتعرف على طبيعة المهام المطلوب منه تأديتها.


وطالب الحاج بضرورة إنشاء هيئة متخصصة بتوظيف وتوزيع الشباب على الإدارات المعنية كل حسب تخصصه، وإلا فلن نستفيد من سنوات الدراسة الطويلة التي يمضيها الشاب أو الشابة الذين يدرسون في مجالات وتخصصات أخذت منهم سنوات طويلة وأوقاتاً صعبة.  ولفت إلى أن الكثير من الشباب يعملون في وظائف بعيدة عن تخصصاتهم الدراسية، فتجد المهندس المعماري يعمل في جهة غير معنية بالهندسة، والمتخصص في التقنيات والبرمجيات يعمل في قطاع آخر بعيد كل البعد عن مجاله الدراسي، وهكذا.


نصيحة


وقال عيسى محمد حسن، الذي يعمل في الحقل الإعلامي، إنه التحق بكلية الإعلام في بداية مشواره الأكاديمي، فيما واجهته في السنة الأولى عقبة اجتياز اختبار مهارات اللغة الإنجليزية «التويفل» أو «الأيلس»، حيث حاول عدة مرات اجتيازه من دون جدوى، ما اضطره لتغيير تخصصه إلى دراسة القانون. وتابع أنه بعد أن حصل على شهادة البكالوريس في القانون عمل في الحقل الإعلامي، موجهاً نصيحة إلى الطلاب الذين لا يزالون في مقتبل سنوات الدراسة أن يهتموا بالتخصصات التي يحتاجها سوق العمل الداخلي حتى يجدوا عملاً بعد تخرجهم يتناسب مع مؤهلهم العلمي، لأن التخصص في مجالات غير مرغوبة عبارة عن ضياع سنوات من عمر الإنسان.

 


ودعا مشعل المرزوقي، خريج هندسة الميكاترونيكس، ويعمل مدير مشاريع فنية، إلى إيجاد فرص لأصحاب التخصصات الحيوية والمهمة، وتشجيع الطلاب على متابعة الدراسة فيها، بدلاً من تشجيعهم على نيل شهادة جامعية مهما كان تخصصها للحصول على درجة عملية أكبر، وهذا ما جعل الشباب يصرفون تفكيرهم عن خوض غمار مصاعب التخصصات الصعبة.


طاقات كامنة


وأكدت بدرية مفتاح، التي تخرجت في كلية الإعلام بجامعة عجمان، وتعمل حالياً في قسم الأرشيف، أن خريج الجامعة إذا لم يجد وظيفة في مجال تخصصه فإن خمس سنوات من عمره قد تضيع بهذا الإجراء، وبالتالي كان من الأفضل له أن يبحث عن العمل بعد الحصول على الشهادة الثانوية مباشرة حتى لا يضيع كل هذه السنوات في دراسة تخصص.ولفتت إلى أن العمل في نفس التخصص الجامعي يفجر الطاقات الكامنة والإبداع لدى الشباب من أجل إثبات ذواتهم، وإثبات أنهم قادرون على الابتكار.


4 أسباب تدفع الخريج للعمل في غير تخصصه


حدد الدكتور عيسى البستكي، رئيس جامعة دبي، 4 أسباب تدفع الخريج للعمل في غير تخصصه، وهي عدم توافر وظائف في التخصص الحاصل عليه، والرغبة في الحصول على راتب أعلى، ورغبة أولياء الأمور في التحاق أبنائهم في تخصصات بعينها بغض النظر عن حاجة سوق العمل لها من عدمه، وضعف الإرشاد الأكاديمي.


وقال إن بعض التخصصات الدقيقة تتطلب الحصول على درجة أكاديمية يتم بناء مهارات أخرى على أساسها مثل التخصصات الهندسية والطبية، فيما تعتمد وظائف أخرى على الخبرات المكتسبة من سوق العمل والمهارات المكتسبة خلال مدة الوظيفة.


وأشار إلى أن التعلم مدى الحياة هو أساس النجاح في الحياة العملية عبر اكتساب المهارات والخبرات، شريطة وجود الأساس الأكاديمي، لافتاً إلى أن المنافسة شديدة، سواء في الدراسة الأكاديمية أو في الحصول على وظائف، إذ إن درجات الطالب في الثانوية هي من تحدد فرصة التحاقه بالتخصصات، فضلاً عن تضخم السوق بتخصصات مشبعة، وهنا يأتي دور التشريعات في تحديد الحد الأدنى للقبول في هذه التخصصات المشبعة، وتقليل عدد الطلبة الملتحقين بها من خلال قياس احتياجات السوق لخمس سنوات قادمة على الأقل من قبل الجامعات.


وأشار إلى أن العديد من الطلبة في مختلف الجامعات يقضون سنوات من التعب والاجتهاد في دراسة تخصصاتهم، متأملين أن يحصدوا ما بعد التخرج ثمار هذه الدراسة من خلال العمل في وظيفة تتناسب ومجالهم الدراسي، إلا أن واقع سوق العمل يكشف عن حالة من عدم التوافق بين ما يدرسه الطالب وما يعمل به من وظائف، فالكثير من الخريجين اليوم موظفون في وظائف بعيدة كل البعد عما درسوه في الجامعة، حيث يمكن أن تجد خريجاً من قسم الفلسفة، أجهد نفسه مع سقراط وأفلاطون لكنه يعمل موظفاً في الأرشيف، وقد تجد خريجاً من قسم الهندسة الكيميائية، وانتهى به المطاف في العمل في وظيفة مفتش أغذية.


وأضاف أن هناك العديد من الطلبة الذين يدخلون تخصصات لا يرغبون بها، وكل ذلك بسبب آلية القبول الجامعي والاعتبارات الأخرى المذكورة آنفاً، وبالتالي نرى العديد من الطلبة يدرسون فقط للحصول على الشهادة الجامعية، وبعدها نراه يعمل في وظيفة بعيدة عن التخصص الذي درسه.


الإبداع سلوك مهاري  غير مرتبط بتخصصات  أو وظائف معينة


أوضح فهد خلف، استشاري مؤسسي وخبير الموارد البشرية، أن الإبداع والابتكار هو سلوك مهاري مرتبط بالشخص ذاته، وغير مرتبط بتخصصات أو وظائف معينة.


وأشار إلى أن الحكم على الموظف من ناحية التأقلم مع مهام الوظيفة يحتاج إلى فترة ثلاث سنوات متكاملة تقسم كالتالي: السنة الأولى يتعلم فيها كيفية أداء المهام، والسنة الثانية يكتسب فيها الخبرة، ومن ثم تكون الإنجازات في السنة الثالثة. وذكر فهد خلف أنه لا ينصح ببقاء الموظف أكثر من سبع سنوات في نفس الوظيفة، لأن الدراسات أثبتت أن تجاوز هذه المدة في العمل يغير من سيكولوجية الموظف ويجعله حريصاً على البقاء في منصبه، مما قد يؤدي إلى قتل الإبداع لديه بحكم روتينية الأعمال والمهام التي يؤديها، ويصاب بالركود النفسي. وقال فهد خلف إن تأهيل الطالب لمستقبله المهني وفق أسس ومعايير وتجارب عالمية، لمواجهة تحديات اتخاذ قرار اختيار وظيفته المستقبلية، وبناء أولى لبنات مستقبله المهني والعملي، يعد أمراً في غاية الأهمية، لالتحاقه بالوظيفة المناسبة.


التدريب خيـار استراتيجي


يعتبر التدريب في الحكومة الاتحادية إحدى وسائل تطوير رأس المال البشري التي يعتمد عليها في رفع مستوى الكفاءة الوظيفية للموظفين إذ يعتبر التدريب والتطوير بمفهومه الحديث إطار عمل متكامل وخياراً استراتيجياً في منظومة وتنمية الموارد البشرية التي تسعى لتحقيقها الحكومة الاتحادية من أجل مواكبة التحديات المتمثلة في متطلبات العمل المتغيرة على اعتبار أن التدريب يؤدي إلى نقل المعرفة الفنية والعملية بطريقة تمكن الموظف العام والجهة الاتحادية من مواجهة أي تحديات يفرضها التسارع المعرفي ضمن بيئة العمل.


مسؤولية


لذا وانطلاقاً من مسؤولية الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية التي رتبها المرسوم بقانون اتحادي رقم (11) لسنة 2008م بشأن الموارد البشرية الحكومية فقد قامت الهيئة بإعداد نظام «التدريب والتطوير» مستندة بذلك إلى أحدث الممارسات الإدارية في هذا المجال لإيمانها بضرورة منح فرص تطوير شاملة لجميع الكوادر البشرية العاملة في الحكومة الاتحادية لغايات تحقيق الأهداف وفق الخطط الاستراتيجية بالفاعلية التي تضمن التصاعد الدائم في الأداء وصولاً إلى إلغاء الفجوة بين الأداء الحالي والمستهدف الذي يحددها نظام إدارة الأداء ويساهم في معالجتها هذا النظام الذي يساهم في تحديد الاحتياجات الفعلية للتدريب واختيار أفضل أشكال التدريب التي سوف تحقق أهداف الجهة الحالية والمستقبلية.


تطوير


كما أن هذا النظام مرتبط بمخرجات نظام إدارة الأداء والتي تعتبر مدخلات لهذا النظام من حيث تطوير الموظف في جميع الجوانب السلوكية والمهنية والعلمية.


مبادرة


أطلقت الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية، أخيراً، مبادرة بوابة التعلم الإلكتروني في الحكومة الاتحادية «المورد»، التي تعد منصة تدريب ذكية متطورة، تخدم موظفي الحكومة الاتحادية، وتنمي مهاراتهم السلوكية والتخصصية، وتقدم لهم برامج ودورات تدريبية إلكترونية عامة وتخصصية مبتكرة، تراعي احتياجاتهم، وتعزّز قدراتهم. و«المورد» هي المنصة الرسمية الأولى للتدريب والتعلم الإلكتروني في الدولة، كما أن عدد الشهادات الإلكترونية الصادرة عنها حتى نهاية العام الماضي، بلغ قرابة 42 ألف شهادة، وتجاوز عدد الورش والدورات التدريبية المتاحة عبرها حاجز الـ750 دورة تدريبية تخصصية وعامة.


ضرورة اختيار التخصصات المواكبة لسوق العمل


أكد الدكتور باناجيوتيس كوكالس، عميد كلية إدارة الأعمال في جامعة الفلاح، أن العمل في غير التخصص قد يؤدي إلى قتل الإبداع وإهمال التخصص، الذي يعد أساس تطور الجوانب العملية في شخصية الفرد، لافتاً إلى أن هناك علاقة كبيرة بين الخبرة والتخصص، حيث إن الشخص المتخصص هو الذي يتقدم ويكون مبادراً ولديه ما يفيد به. وأشار إلى دور الإرشاد الأكاديمي في اختيار التخصصات المواكبة لسوق العمل، والتي يجب أن تبدأ من المراحل الثانوية وليس بعدها، لذا لا بد من تكاتف المدرسة والجامعة لتكوين منظومة علمية تفهم مساحات الإبداع لدى الطلبة وتقترح عليهم التخصص المناسب. ويرى الدكتور كوكالس أن هناك من استطاع أن يتجاوز مشكلة اختلاف العمل بغير التخصص، من خلال تحقيق ذاته وحلمه وهواياته وطموحاته بعيداً عن الدراسة الجامعية، بحيث يبقى التخصص مجرد اكتساب المعرفة والمعلومات. 

وأضاف أن أهم عنصر يفتقده الطلبة بعد التخرج من الجامعات هو غياب المهارات الخاصة، والاكتفاء بالتأهيل الأكاديمي فقط، على الرغم أن حاجة الطالب تزداد في نهاية مسيرته الجامعية لاكتساب المعلومات والاتجاهات والمهارات التي تمكنه من التأقلم مع بيئة وسوق العمل، ومواكبة الأدوار الجديدة في مساره المهني الذي يمثل قراراً مفصلياً في مستقبله الوظيفي.

طباعة Email