سوق NFT يتحول إلى صناعة كبرى

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

لا يزال عالم العملات المشفرة وملحقاته غريباً بعض الشيء عن كثيرين من الناس، رغم تحوّل تلك التكنولوجيا الناشئة القائمة على «بلوك تشين» إلى صناعة كبرى، وتحقيق قيمة الأصول المشفرة في العالم أكثر من 3 تريليونات دولار، حسب ما ذكرته مجلة «تايم» الصادرة في 8 نوفمبر 2021.

فما كاد العالم يسمع بتقنية «بلوك تشين» عام 2008، حتى ظهرت عملة «البيتكوين» المشفرة الرقمية طارحة نفسها بديلاً للعملات التقليدية، وتبعتها تقنيات جديدة مثل «أثيريوم» عام 2015 والتي فتحت الطريق أمام بناء تطبيقات عدة وإجراء مدفوعات عالمية، كما ما يسمى «الرموز غير القابلة للاستبدال» أو NFT، الذي حقق في الآونة الأخيرة شعبية واسعة، بحيث وصلت مبيعاته إلى 25 مليار دولار مقابل 94.9 مليون دولار قبل عام، وفقاً لمتتبع السوق «داب رادار».

شهادة ملكية

وكان نمو سوق «الرموز غير القابلة للاستبدال» قد بدأ في عالم الفنون الرقمية أولاً، باعتبار أنه يحل مشكلة شائكة، وهي: كيفية امتلاك النسخة الأصلية، إذ إنه من المستحيل فرض الحصرية عندما يكون من الممكن مشاركة الملفات الرقمية بحرية على الإنترنت. فجاء «الرمز» ليمثل شهادة رقمية تثبت الملكية على «بلوك تشين»، السجل الإلكتروني المشترك والمشفر وغير المركزي الذي لا يمكن تغييره أو العبث به، ووفقاً لموقع «ويكيبيديا» لا تمنح ملكية الرمز بطبيعتها حقوق الطبع والنشر للأصل الرقمي الذي يمثله «الرمز»، لكن من أجل بيع «الرمز» وشرائه، هناك حاجة إلى منصات خاصة تستخدم عقود ذكية لإنشاء تلك الرموز التي تباع على المنصة، ويمكن تداولها في السوق الثانوية في مقابل عملة مشفرة.

يرى الكاتبان بافيل كيرييف وبيتر ايفانز في مقال نشرته مجلة «هارفرد بيزنس ريفيو» أن بناء تلك المنصات مبني على فكرة، أنه تماماً مثل المحتوى المادي، يمكن أن يكون المحتوى الرقمي نادراً أيضاً، أي محدود الكمية، وبالتالي يمكن أن يكون مملوكاً ويتم تداوله. وتستعين المنصات بتقنية «بلوك تشين» للتحقق من أن عملاً فنياً معيناً مثلاً هو في الواقع أصلي وليس نسخة طبق الأصل.

نمو هائل

في مارس 2021، قامت دار مزاد «كريستي» البريطانية ببيع عمل فني رقمي مقابل 69 مليون دولار ما لفت أنظار العالم. وما تم تقديمه للبيع في الواقع، كان رمزاً غير قابل للاستبدال يثبت أن المشتري يمتلك تلك القطعة الفريدة. وقد تلا ذلك بيع مقاطع فيديو وتغريدات وحتى كود الشبكة العالمية على أنها رموز غير قابلة للاستبدال. فأنشأ اتحاد كرة السلة الأمريكي «إن بي أيه» سوق رمز غير قابل للاستبدال خاصاً به لشراء وبيع وتداول مقاطع فيديو مميزة للاعبين، محققاً أكثر من 715 مليون دولار في حجم المعاملات. وباع المؤسس المشارك لشركة «تويتر»، جاك دورسي، أول تغريدة له على أنها «رمز غير قابل للاستبدال» بأكثر من 2.9 مليون دولار. واستجابة لهذا النمو الهائل، باشر مبدعون وشركات، بما في ذلك تجار تجزئة وموسيقى وترفيه ومنتجات استهلاكية وأزياء وغيرها، في استكشاف طرق للتفاعل مع هذا العالم. وتوالت المبيعات بحيث أفادت «فايننشال تايمز» البريطانية أن جميع الإبداعات الرقمية هي رموز غير قابلة للاستبدال، وإن كنّا لا نعرف ذلك بعد.

مؤيدون متحمسون

لكن يبقى لسوق «الرمز غير قابل للاستبدال» مشككون ومؤيدون. وفيما يرى بعض الخبراء فقاعة على وشك الانفجار مثل جنون الإنترنت، يعتقد آخرون أنها موجودة لتبقى وسوف تغير الاستثمار إلى الأبد، بل يعتقدون أن السوق ينضج وسيقدم مجموعة ميزات للفنانين، مثل السماح للفنانين بالبيع مباشرة لهواة الجمع وتلقى الإتاوات عند إعادة بيع الفنون، عدا عن ذلك، فإن تحويل الأصول من العالم الحقيقي إلى رمز مميز سيتيح الشراء والبيع والتداول بكفاءة أكبر مع إلغاء الوسطاء وتبسيط المعاملات، وسيعمل على إنشاء أسواق جديدة، ويحسن العمليات التجارية عبر تسهيل تتبع الجهات الفاعلة في سلسلة توريد سلعة ما مصدرها وإنتاجها وبيعها خلال العملية بأكملها، وغيرها من الميزات. ويحدث حالياً ما يسمى بتمويل استخدام تلك الرموز كضمان لقروض أو لتقسيم ملكيات عقارية. وعلى المدى الطويل يأمل المتحمسون أن تعمل الرموز غير القابلة للاستبدال على تعزيز التجارة الإلكترونية في مساحات «ميتافيرس» الافتراضية الرقمية المستقبلية. وهناك يمكن أن تحدد تلك «الرموز» ملكية سلع افتراضية، سواء كانت ملابس لآفاتار رقمية أو فنوناً لمنازل رقمية. وقد أعلنت «نايك» مؤخراً أنها اشترت شركة أحذية افتراضية لصك أحذية رياضية افتراضية.

معارضون مشككون

لكن عدداً من الخبراء يبقى مشككاً بمدى نجاحها. يقول جوردان أوي الشريك في أوي كابيتال، في موقع شبكة «سي إن بي سي» الأمريكية، إنها استثمارات غير سائلة ومضاربة وشديدة التقلب، وتأثيرات إنتاجها وجميع أنواع العملات المشفرة سلبي على البيئة، كما يشير إلى إمكانية اختراقها وسرقتها على الرغم من أنها قائمة على «البلوك تشين». ويرى آخرون مخاطر محتملة من فقدان الوصول إلى الرمز غير قابل للاستبدال إذا توقفت المنصة التي تستضيف «الرمز».

وفي مقال نشره الكاتبان، إيفا سزالاي وسيهارث فنكاتارامكريشنان، في «فايننشال تايمز»، أفاد الكاتبان بأن سوق الرموز غير القابل للاستبدال، كما سوق العمليات المشفرة، لا يزال يهيمن عليه عدد قليل من اللاعبين الكبار أو «الحيتان»، وأنه بين أواخر فبراير ونوفمبر 2021، كان هناك 360 ألف مالك لرموز غير قابلة للاستبدال يمتلكون 2.7 مليون رمز فيما بينهم، ومن بين هؤلاء حوالي 9% أو 32400 محفظة تمتلك 80% من قيمة السوق. لم يسترد معظم جامعي الرموز الجدد في السوق الثانوية تكاليف مشترياتهم، فيما استفاد الجامعون الأوائل من ارتفاع سعر الرموز كما من العملات المشفرة المستخدمة للتداول بها، وفقاً لتحليل «فايننشال تايمز» بواسطة منصة تحليل «بلوك تشين نانسن». كما أشار الكاتبان إلى عمليات احتيال وتلاعب بالسوق في تلك المساحة غير المنظمة، ونقلوا تحذير الباحثين من أن السوق ربما يتضخم بسبب أخذ المتداولين كلا الجانبين من التجارة من أجل إعطاء انطباع خطأ عن الطلب لرفع السعر، وهو ما يحدث أحياناً في عالم الفن التقليدي أيضاً.

وفي كل الأحوال، يرى الكاتبان أن مستقبل سوق الرموز غير القابلة للاستخدام سيعتمد أيضاً على الموقف الذي تتخذه الجهات المنظمة. فوكالات الضرائب لم تتعامل بعد مع تلك الرموز بشكل مباشر، لكن بعض الخبراء يجادلون بأنها يمكن اعتبارها «مقتنيات» وإخضاعها لضرائب، وقد وصف الشريك في «وايت انه كايس»، راتين فالابانييني، هذا التنظيم الوشيك، الجديد بـ «قضية وجودية تلوح في الأفق بالنسبة للصناعة بأكملها».

التأثيرات بعيدة المدى

وبغض النظر عن ذلك، ترى مجلة «إيكونوميست» في مجمل التحول الذي بدأ مع «بلوك تشين»، والذي تتألف من شبكات من أجهزة كمبيوتر تحتفظ بسجل مشترك مفتوح تقوم بتحديثه دون الحاجة إلى سلطة مركزية، وصولاً إلى الـ «بيتكوين» وأخيراً «أثيريوم»، وهي شبكة الـ «بلوك تشين» التي بنيت عليها معظم تطبيقات ما تصفه المجلة بـ «التمويل اللامركزي»، قدرة على إعادة صياغة كيفية عمل النظام المالي مع كل الآمال والمخاطر التي تنطوي على ذلك، مشيرة إلى إمكانية أن تعيد ثورة التشفير تلك تشكيل بنية الاقتصاد الرقمي.

في مقال عنوانه «الوعد الساحر بالتمويل اللامركزي»، ذكرت «إيكونوميست» أن متطلبات الخدمات المصرفية التقليدية تتطلب بنية تحتية ضخمة باهظة الثمن للحفاظ على الثقة، من غرف مقاصة وامتثال لقواعد رأس المال ومحاكم، فيما المعاملات على «بلوك تشين» جديرة بالثقة ورخيصة وشفافة وسريعة، على الأقل من الناحية النظرية. كما أنه على الرغم من اختلاف مصطلحات هذا «التمويل اللامركزي»، حيث يطلق على رسوم المعاملات «غاز»، والعملة الرئيسية «أثيريوم» وسندات ملكية الأصول الرقمية «رمز غير قابل للاستبدال»، إلا أن الأنشطة الأساسية التي تجري عليها تلك الشبكات مألوفة، وتشمل التداول في البورصات وإصدار قروض وأخذ الودائع من خلال اتفاقيات ذاتية التنفيذ تسمى عقوداً ذكية. ورأت المجلة أن نشاطها كان كبيراً، فقيمة الأدوات الرقمية المستخدمة كضمان وصلت إلى 90 مليار دولار بدءاً من لا شيء أوائل عام 2018، كما قيمة المعاملات التي تتحقق «أثيريوم» منها، وصلت في الربع الثاني من 2021 إلى 2.5 تريليون دولار، وهو المبلغ نفسه تقريباً كعمليات «الفيزا» ما يعادل سدس النشاط في بورصة «ناسداك» وفقاً للمجلة. وقد أشارت في سياق ذلك إلى أن هذا التمويل اللامركزي سينتشر إلى عالم «ميتا فيرس» اللامركزي، حيث مساحات افتراضية تحوي متاجر يديرها مستخدموها، حيث على المرء ربط محفظته بصور آفاتار كرتونية تتجول في تلك المساحات، ما يمنح قوة أكبر لشركات التكنولوجيا الكبرى.

تساؤلات كثيرة

ومع ذلك، ترى «إيكونوميست» أن تلك التطورات ستثير أسئلة حول كيفية تفاعل الاقتصاد الافتراضي بمعاييره الخاصة مع العالم الحقيقي. ومن مصادر القلق هو عدم وجود مرساة خارجية للقيمة، فهي تعتمد على الأشخاص الذين لديهم توقعات مشتركة بفائدتها. هذا في حين الأموال التقليدية مدعومة أيضاً من قبل الدول التي تحتكر القوة والبنوك المركزية التي هي مقرض الملاذ الأخير. وترى أيضاً أن إنفاذ العقود خارج العالم الافتراضي مصدر قلق أيضاً. فقد ينص عقد «بلوك تشين» على أنك تمتلك منزلاً، ولكن الشرطة فقط هي التي يمكنها تنفيذ الإخلاءات. عدا عن أن الحوكمة والمساءلة في هذا النظام غير المركزي بدائيان، فأخطاء التشفير لا مفر منها، كما أن غسل الأموال يزدهر في المنطقة الرمادية، وأنه برغم اللامركزية، قد يتمتع بعض المبرمجين ومالكي التطبيقات بنفوذ غير متناسب ويمكن لجهة ما أن تتحكم في غالبية أجهزة الكمبيوتر التي تشغل «بلوك تشين». وبناء على ذلك، تنقل عن خبير التشفير في الولايات المتحدة، غاري جينسلر، أنه لكي تنجح يجب أن تتكامل مع الأنظمة المالية والقانونية التقليدية، كما تشير إلى أن بنك التسويات الدولية قد طرح إمكانية استخدام «عملات مشفرة» في تطبيقات هذا النظام غير المركزي لتوفير الاستقرار.

فما الذي يحمله المستقبل مع هذا التحول الكبير في الاقتصاد الرقمي الذي لا يعرف أحد نهايته؟ يرى الخبير راكيش شارما في مقال نشره في موقع «انفستوبيديا» الأمريكي، أن أنظمة التمويل الحديثة تتكون من أنظمة تداول وإقراض معقدة لأنواع أصول مختلفة، بدءاً من العقارات والأعمال الفنية، إلخ. ومن خلال تمكين التمثيل الرقمي للأصول المادية، يعد «الرمز غير قابل للاستبدال» خطوة إلى الأمام في إعادة ابتكار هذه البنية التحتية. وعندما يتم الجمع بين التمثيل الرقمي للأصول المادية ومزايا سلسلة عقود ذكية مقاومة للعبث بها، فإنها تصبح قوة للتغيير.

الفروق بين العملات والـNFT

 

العملات المشفرة هي رموز يمكن تداولها أو تبادلها، حيث يمكن استبدال بيتكوين مع آخر، كما أنها متساوية في القيمة، فكما يساوي الدولار دائماً دولاراً آخر، تساوي عملة البيتكوين الواحدة دائماً بيتكوين أخرى، وهذا يجعلها وسيلة موثوقة لإجراء المعاملات على «بلوك تشين».

لكن هذا غير ممكن مع «الرموز غير قابلة للاستبدال» فهي تمثيلات رقمية لأصول، وكل رمز يحتوي على هوية فردية غير قابلة للتحويل لتمييزه عن الرموز المميزة الأخرى. وهذا يجعل من المستحيل استبدال رمز بآخر، أو أن يكون مساوياً لبعضه بعضاً، وبالتالي غير قابل للاستبدال.

وتماماً مثل بتكوين، تحتوي الرموز على تفاصيل الملكية لتسهيل التعرف عليها ونقلها بين حاملي الرموز. ويمكن للمالكين إضافة بيانات وصفية تتعلق بالأصل في الرموز. على سبيل المثال، يمكن للفنانين توقيع أعمالهم الفنية الرقمية في البيانات الوصفية.

41 ملياراً

بحلول نهاية العام الماضي، تم إنفاق ما يقرب من 41 مليار دولار على في عقود «بلوك تشين» أثيريوم التي تستخدم عادة لإنشاء رسم غير قابل للاستبدال، وفقاً لمجموعة تحليل التشفير «تشايناليسيس». ووفقاً لصحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، كان الإجمالي سيكون أعلى لو اشتمل على رموز غير قابلة للاستبدال تم سكها على سلاسل الكتل الأخرى مثل «سولانا»، في حين، بالمقارنة، بلغت قيمة سوق الفن العالمي في العام الماضي 50.1 مليار دولار، وفقاً للأرقام التي نشرها «يو بي أس» و«آرت بازل»، مما جعل سوق الأعمال الفنية الرقمية والمقتنيات ذات قيمة تقترب من قيمة سوق الفن العالمي التقليدي.

طباعة Email