الاستثمار في صناعات توفّر وظائف للمستقبل خيار الحكومات الأفضل

الأتمتة والذكاء الاصطناعي في ارتقاء متصاعد

أعدت القمة العالمية للحكومات بالتعاون مع شركة «كاينيتك لخدمات الاستشارة» دراسة بعنوان «من الأتمتة إلى الذكاء الاصطناعي» تتوزع حول محاور متعددة تناقش بروز الآلة وسقوط الإنسانية، وفهم القوة العاملة الرقمية، وأتمتة العملية الروبوتية، والذكاء الاصطناعي، ومقترحات حكومية جديدة حول القيمة، وبحوث استراتيجية لتطبيق حلول الأتمتة والذكاء الاصطناعي.

وقالت الدراسة إنه ليس هناك ما يمكن عمله لإبطاء وتيرة التطور الرقمي، فالأتمتة والذكاء الاصطناعي سيمضيان في الازدياد والارتقاء، ويبقى الخيار الأفضل للحكومة التخطيط والاستثمار في صناعات تستطيع خلق وظائف للمستقبل بدلاً من الوقوف مكتوفة الأيدي وانتظار قهر موجة التغيير الحتمي المقبل.

وتقدم برمجيات الأتمتة والذكاء الاصطناعي الفرص وتطرح التهديدات، لكن الخطر الأكبر يتمثل، وفق الدراسة، في مقاومة الحكومة التغيير الآتي على جناح تلك البرمجيات، وبما أن الاختلال واقع لا محالة، يبقى التخطيط والاستثمار في المستقبل أساس الاستثمار في البرمجية المتاحة.

فرص تجارية

وصنف اقتصاديون في المنتدى الاقتصادي العالمي هذه المرحلة من التاريخ تحت مسمى الثورة الصناعية الرابعة، في منطق يدلل على فكرتين أساسيتين، تقضي الأولى بعمق تأثير التقنيات الحالية والناشئة على الصناعة والثانية بإحداثها ثورة في الطرق التقليدية لإنجاز الأعمال.

وينطوي أساس منطق بروز الآلة وسقوط البشرية على جدلية أساسية تشير إلى عدم ظهور أي مرحلة في التاريخ يتحول فيها عدد التقنيات الناشئة إلى حقائق تجارية.

ويخلق تقارب التقنيات الجديدة المتنوعة فرصاً تجارية مهمة ويفرض تهديدات على الحكومة والمؤسسات، وتعد السنوات العشر المقبلة بمثابة تسونامي تكنولوجية هائلة، ستتأثر بها الشركات التي لا تتمتع بالجهوزية على نحو شرس وسلبي، خلافاً لتلك المستعدة القادرة على الاستثمار في المواطن المتغير وتوقعات الزبائن، إذ إنها ستحظى بفرصة السيطرة على الأسواق والصناعات الجديدة، ويقود موجة الاختلال الرقمي برمجية للعمل على أتمتة العمليات التجارية، وذكاء اصطناعي مصمم لمضاعفة القدرات البشرية على حل المشكلات والتفوق عليها.

ثورة صناعية

وتختلف الثورة الصناعية الحالية عن سابقتها التي شهدت على تحرير التكنولوجيا للناس من عبء العمل البدني، والكدح، وقيود الإنتاج الشامل، بأنها جعلت التكنولوجيا تستبدل الناس والصناعة، كما اتسمت الثورات الصناعية السابقة بنزعة لخلق نمو اقتصادي جديد عبر تمكين الصناعات الجديدة من إنتاج سلع وخدمات أكثر بجودة أكبر.

ويبقى النمو الوظيفي نتيجة فرعية طبيعية، لكن بخلاف الثورات الصناعية السابقة، تملك الحالية قدرةً على إحداث خلل في حياتنا وصناعاتنا وحكوماتنا، وعلى سلب الوظائف من اقتصادات العالم أجمع.. التهديد حقيقي، لكن الفرصة لا تكمن في التصدي لهذه التكنولوجيا الجديدة بل اعتناقها وتطويرها وخلق فرص وظيفية جديدة للمستقبل. ويرتبط خطر الأتمتة وبرمجيات الذكاء الاصطناعي كحافز لهلاك البشرية مباشرةً بسوء التخطيط والاستثمار فيما قد يجلبه المستقبل، والموجة قادمة لا محالة والحكومات أمام خيارين، إما ركوب الموجة أو مراوحة المكان.

القوة العاملة

وتأتي زيادة القوة العاملة البشرية أو استبدالها بأخرى رقمية بتأثير كبير على المواطنين وتخلق فرصاً جديدة لإيجاد القيمة، ويتواجد العمال الرقميون في عالم الوحدات الرقمية الصغيرة ولا يندرجون في فئة الروبوتات المادية ولا تطبيقات البرمجيات الملتبسة على شبكة تكنولوجيا المعلومات، غير أنه خلافاً لبرامج البرمجيات يتم تحديد العمال الرقميين بقدرتهم على القيام بمختلف المهام العادية في عملية تجارية ينفذها عادة البشر.

ولا يمكن أن تكون البرامج قائمة بذاتها، إذ لا بد من أن تتصل ببيانات وتطبيقات أخرى بغية تحقيق أهدافها، لذلك فإن الاتكال على أنظمة تكنولوجيا معلومات أخرى يعد خاصية أساسية للبرمجيات، وهو ما يسلط الضوء على أهمية الحصول على بيانات وتطبيقات جيدة لتنفيذ العمليات التجارية في المقام الأول.

ويمكن تقسيم مختلف التقنيات إلى خمس فئات مختلفة، هي الأتمتة الأساسية، والقواعد الإنشائية، والقرارات النمطية، واتخاذ القرارات المتعددة، والذكاء الحاد، بحيث تقيس كل منها البرمجية وفقاً لجانب عملاني محدد: البيانات: درجة التعقيد في التعامل مع بيانات الأعمال الإنشائية وغير الإنشائية، المهمة: نوع المهمة المنفذة بالغالب (المستندة إلى قاعدة أو التي تتطلب معلومات من مختلف المصادر لاستكمال العملية)، قابلية التشغيل البيني: مستوى التعاون (سواء كان العمل منفذاً في تطبيق وحيد أو عبر عدة تطبيقات ومنصات)، الذكاء الاصطناعي: تعلم آلي مرتكز على الإدراك النمطي والإحصائيات، أو الذكاء الاصطناعي الحاد الذي يتفوق على قدرة البشر.

ولم تتمكن أي شركة برمجيات حالياً من إثبات الذكاء الاصطناعي الفعلي، ويحقق عدد من الشركات الأساسية مثل «غوغل» و«آي بي إم» تقدماً ملحوظاً في خلق ذكاء اصطناعي فعلي، لكن في هذه المرحلة لا يوجد إلا تطبيقات تجارية صغرى في سوق العمل.

ويعتبر تطبيق «ديبمايند» من غوغل نموذج الشركة الأقرب للوصول إلى ذكاء اصطناعي حقيقي، لكن الشركة ذاتها تعي تحديات التوصل إلى برنامج مستقل ذاتي الوعي وقادر على معالجة بيئته الخاصة.

العمليات الروبوتية

وتعتبر الصيغة المتبناة الأكثر تنوعاً للعمال الرقميين حالياً أتمتة العمليات التجارية المتكررة القائمة على القواعد المساندة لمكتب العمليات باستخدام البيانات الإنشائية المنظمة.

وتحدث الأتمتة التي تقدمها تلك البرامج حين تنفذ برمجيات «الروبوتات» عمليات أو مهمات عادة ما ينجزها البشر، وتستخدم تسميات عدة لتعريف تلك البرامج والوظائف التي تؤديها، ويبقى أوسعها استخداماً تعبير «أتمتة العمليات الروبوتية»، التي تعرف في سوق العمل بالتقديم المنتمي للموجة المقبلة من البلبلة الرقمية، وتملك هذه البرمجية القدرة على إحداث خلل فصله كتاب الثورة الصناعية الرابعة لكلاوس شواب، لأنها تتمتع بإمكانية استبدال أو زيادة العمال البشر وتغيير صيغ العمل.

واكتسبت أتمتة العمليات الروبوتية زخماً على مدى السنوات الثلاث الماضية بسبب التنبه المتزايد الذي تلقته تلك التقنيات من الشركات الاستشارية المرموقة، ولزيادة تأمين باعة تكنولوجيا المعلومات حلول أتمتة العمليات الروبوتية وإطلاق نسخ أكثر تعقيداً من تلك البرمجية،

من المتوقع أن يرتفع مستوى تبني أتمتة العمليات الروبوتية بالتوازي مع زيادة فهم المؤسسات لقيمتها، وسوف يضفي طرحها للعمليات التجارية عبر رفع معدل التحليلات وتوقع نتائج العملاء والشركات على نحو أكثر عمقاً وجدوى تجارية.

11 مليار دولار سوق أجهزة الذكاء الاصطناعي 2024

يتضاعف تبني التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي عبر عدد من الصناعات، وتتوقع شركات الإحصاءات العالمية أن يحقق سوق أجهزة الذكاء الاصطناعي في قطاع الشركات ارتفاعاً من 202.5 مليون دولار عام 2015، إلى 11.1 مليار دولار بحلول العام 2024. ويتمتع الذكاء الاصطناعي من منظور عملاني بالقدرة على مدّ الدوائر الحكومية بأداء أفضل في عدد من الطرق الأساسية.

أبرزها: السرعة، حيث يمكن للبرمجية إنجاز المهمة أو العملية أسرع من البشر، وتقلص نسبة الأخطاء في العملية، حيث يمكن برمجة أجهزة الذكاء الاصطناعي لاتباع القواعد لإتمام العملية، وتكلفة أقل، إذ إن برمجيات الذكاء الاصطناعي أقل تكلفة من كثير من الموظفين البشر ويسعها إنجاز عبء وظيفي يفوق البشر، وقدرة مضاعفة، حيث إن الذكاء الاصطناعي غير محكوم بقيود المصادر، والجغرافيا، أو المتطلبات المادية للموقع، وبما أن الذكاء الاصطناعي برمجية، فإنه يمكّن دوائر الحكومة من مضاعفة عملياتها سريعاً.

فوائد

ويمكن للعمال الرقميين تأمين فوائد جمّة للحكومة تتعدى توفير التكاليف عبر تقليص عدد العمال البشريين، ويبدو ظاهرياً أن العمال الرقميين يتوخون التكلفة الأمثل لعمليات الدوائر الحكومية، لكن تلك مجرد نظرة ضيقة للفوائد المرتبطة بهم، إذ يستطيعون خلق قيمة جديدة، لما للقوة العاملة الرقمية من قدرة على تعزيز تجربة المواطن عبر جعل عمليات الشركات أكثر فعالية، أكثر خلواً من الأخطاء، أسرع وأكثر توفيراً للجهد.

وفي سياق الاعتبارات الاستراتيجية لتطبيق الأتمتة والذكاء الاصطناعي، يمكن القول إن عدداً من المؤسسات قد بدأت رحلتها إلى عالم الذكاء الاصطناعي عبر القيام بأبحاث استكشافية وتطوير استراتيجيات لنشر الذكاء الاصطناعي في مرافقها، إلا أن خطر دمج الذكاء الاصطناعي في أي دائرة حكومية يكمن في عدم حسن تقييم مختلف العناصر الاستراتيجية التي ينبغي أخذها بالاعتبار قبل البدء بالتطبيق.

وفي تقرير حديث أجرته شركة الأبحاث المختصة بسوق التكنولوجيا «فانسون بورن» وشركة تزويد تحليل البيانات «تيراداتا»، تبين أن 91 بالمئة من المسؤولين الذين استطلعت آراؤهم داخل المؤسسات الذاهبة باتجاه تطبيق الذكاء الاصطناعي يتوقعون مواجهة صعوبات أساسية في نشر الذكاء الاصطناعي وتحقيق عائدات الاستثمار المرجوة.

ويتعين بداية لتقليص خطر فشل التفكير في الجهة التي ستتولى قيادة استراتيجية الذكاء الاصطناعي، ويكمن الاعتبار الثاني الأساسي في تحديد الغايات التي ترغب الحكومة بالتوصل إليها بتطبيق الذكاء الاصطناعي، ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بغياب مصدر مناسب يتقدم للمؤسسة بتوصيات حول مكامن التأثر الأولية.

ويقتصر الاعتبار الاستراتيجي الأخير المهم على تحديد عناصر التمكين الأساسية المطلوبة لتحقيق النجاح من عملية تطبيق الذكاء الاصطناعي، وحددت شركتا الاستطلاع «فانسون بورن» و«تيراداتا» المعوقات الجوهرية استناداً إلى النتائج، فأشارتا إلى أن 40 بالمئة اعتبروا البنية التحتية الخاصة بتكنولوجيا المعلومات هي السبب.

فيما عزا 34 بالمئة آخرون السبب إلى الحصول على المهارات المطلوبة في حقل الذكاء الاصطناعي، أما 30 بالمئة فأشاروا إلى نقص الميزانية، وحصر 28 بالمئة التعقيدات بالتغييرات الطارئة على السياسات والمسائل التنظيمية.

طباعة Email