تعايش.. حاملو مفاتيح كنيسة القيامة

خلف الأخبار الكثيرة، التي تتحدث عن أحداث العنف والترويع، التي يتعرض لها الفلسطينيون على ارضهم المحتلة، هناك قصص كثيرة تجسد التراحم والتعايش المسيحي الإسلامي في مواجهة الاحتلال؛ ومن هذه القصص تلك التي جسدها صوت الأب مانويل مسلم راعي كنيسة اللاتين السابق في غزة، الذي ارتفع قبل أعوام قليلة، مندداً بإقدام الاحتلال على منع رفع الآذان في القدس المحتلة.

وقال حينها: نعلن نحن العرب المسيحيين أن الآذان في القدس شرف لنا، وبدونه لا شرف لنا كفلسطينيين، ومدينة القدس لها طابع ديني حضاري فلكلوري ميزته الآذان والأجراس منذ خمسة عشر قرناً، وهذا هو طابع هوية مدينة القدس ولا تقبل الهوية هذه أن يكتبها غير الله والقدس ذاتها وأبناؤها.

وقال: نقول نحن المسيحيين لأهلنا المسلمين، إذا أسكتوا مآذنكم، فستدق أجراس كنائسنا تدعو إلى صلاتكم.

وهذا، شيء من كثير من الأشياء، التي لا يتم تسليط الضوء عليها؛ فلا يعلم الكثيرون أن عائلتين مسلمتين، هما من تحتفظان بمفاتيح كنيسة القيامة، المكان الأكثر قداسة عند المسيحيين، باتفاق بين جميع كنائسهم؛ وأفراد من هاتين العائلتين هم من يفتحون الكنيسة كل صباح، ويغلقونها كل مساء.

وبموجب ما هو معمول به، فإن عائلة جودة تحمل مفاتيح الكنيسة، بينما عائلة نسيبة لديها الحق في إغلاق وفتح الأبواب. وبموجب هذه الترتيبات، فإن فرداً معيناً من آل جودة يحمل المفاتيح يومياً، ويسلمها أمام الكنيسة لآخر من آل نسيبة، الذي يقوم بفتح وإغلاق الباب، قبل أن يعيدها إلى حاملها من آل جودة.

وهذا الوضع الراهن، تم تأكيده في 165 من المراسيم الملكية أو (الفرمانات«المختومة من 27 سلطاناً حكموا القدس، وتقضي بأن عائلة نسيبة هي حارس مفاتيح الكنيسة. إلا أنه في العام 1612، خلال الحقبة العثمانية، تلقت أسرة أخرى»فرماناً) وبدأت العمل معهم في هذه المهمة.

وتؤكد بعض المصادر أن عائلة نسيبة تسلمت مفاتيح كنيسة القيامة من السلطان صلاح الدين الأيوبي العظيم في عام 1187 بعد أن حرر القدس من الصليبيين. ولكن هذا كان استعادة لحق فقدته العائلة على إثر احتلال المدينة من قبل الصليبيين، ولكن حينما استعادها الناصر صلاح الدين، أعاد إليهم المفاتيح.

وتحتفظ عائلة نسيبة بشرف حمل مفاتيح كنيسة القيامة، منذ أيام الفتح العمري للقدس قبل 14 قرناً.

وفي صورة تعكس التعايش الإسلامي المسيحي في المدينة المقدسة، يفتح أحد أفراد العائلة المعينين للقيام بذلك، أبواب الكنيسة ويغلقها ويقوم بحراستها كل يوم.. وهي مهمة ورثها عن أجداده، وتوارثتها العائلة منذ العام 638 الميلادي، تنفيذاً لما جاء في أمر الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عندما سلم البطريرك صفرونيوس مفاتيح كنيسة القيامة إلى الخليفة عمر، ودعاه إلى الصلاة داخل الكنيسة، لكنه رفض، وابتعد إلى المكان المعروف حالياً، حيث أعطى المفاتيح لعبد الله بن نسيبة المازنية.

ومع بداية الحروب الصليبية عام 1099 تم الاستيلاء على المفاتيح، لكنها عادت إلى عائلة نسيبة، وتحديداً إلى فخر الدين بن علاء الدين، عندما فتح صلاح الدين الأيوبي القدس، وكانت العائلة قد هاجرت إلى نابلس (منطقة بورين).

في الفترة التركية، أعطيت المفاتيح إلى عائلة جودة، لكنهم لم يمارسوا الوظيفة مدة 10 سنوات، حتى صدر مرسوم يقضي بتوارث العائلتان المهنة والمحافظة على مفاتيح الكنيسة وفتحها وإغلاقها وحراستها، حيث يبدأ العمل في الرابعة صباحاً حتى الثامنة مساء كل يوم.

وقد حاول الاحتلال الإسرائيلي فتح بوابات أخرى، وانتزاع السلطة بطرق عدة، لكن التعايش الإسلامي المسيحي صد تلك المحاولات.

وتجمع الطوائف المسيحية على إبقاء المهمة للعائلتين المسلمتين، إذ يتم إعادة تسليم المفتاح لهما ثلاث مرات في السنة، تتزامن عند الطائفة اللاتينية بـ«خميس الغسل» وعند طائفة الروم بـ«الجمعة الحزينة» والطائفة الأرمنية بـ«سبت النور».

وصنع الباب الحالي للكنيسة وجدد سنة 1808، ويبلغ ارتفاعه نحو خمسة أمتار وعرضه ثلاثة أمتار، وله قفلان، أحدهما على مستوى الوقوف، والآخر على مستوى عال يحتاج إلى سلم، حيث يتسلق وجيه نسيبة سلماً للوصول إليه.

إن الأصل القديم لاحتفاظ عائلات مسلمة بمفاتيح كنيسة القيامة، وإجماع الطوائف المسيحية على إبقاء مهمة فتح وإغلاق باب هذا المكان المقدس بالنسبة لهم بيد هاتين العائلتين المسلمتين، هو دليل على عمق التعايش وجذوره الممتدة في تاريخ المنطقة وثقافتها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات