مظلمة.. أهل سمرقند

في موقف رائع، وصورة جميلة باهرة، تؤكد عظمة الإسلام وحرصه على احترام حقوق الآخرين، تأتي قصة مظلمة أهل سمرقند، التي رفعوها إلى الخليفة عمر بن عبدالعزيز؛ فقد كان قتيبة بن مسلم الباهلي يفتح المدن والقرى، ينشر دين الله في شرق الكرة الأرضية، وشاء الله أن يفتح على يديه مدينة سمرقند، سنة 99 هـ، ولكن ثمة أمر اختلف في هذا الفتح،لم يجر على منوال الفتوحات الإسلامية الأخرى، فقد فتحها قتيبة بن مسلم الباهلي من دون أن يدعو أهلها للإسلام أو الجزية، ثم يمهلهم ثلاثاً كعادة المسلمين، ثم يبدأ القتال؛ فلما علم أهل سمرقند بأن هذا الأمر مخالف للإسلام، كتب كهنتها رسالة إلى «سلطان المسلمين»، الذي هو في ذلك الوقت الخليفة عمر بن عبد العزيز، وأرسلوا بهذه الرسالة أحد أهل سمرقند،

ويقول هذا الرسول، حامل رسالة أهل سمرقند:

أخذت أتنقّل من بلد إلى بلد أشهراً، حتى وصلت إلى دمشق، دار الخلافة؛ فلما وصلت، أخذت أتنقل في أحيائها، وأُحدِّث نفسي بأن أسأل عن دار السلطان، فأخذت على نفسي إن نطقت باسم السلطان أن أؤخذ أخذاً، فلما رأيت أعظم بناء في المدينة، دخلت إليه، وإذا أناس يدخلون ويخرجون ويركعون ويسجدون، فسألت أحدهم: أهذه دار الوالي؟

قال: لا، بل هذا هو المسجد.

ثم سأل: صليت؟

قلت: ما صليت.

قال: وما دينك؟

قلت: على دين أهل سمرقند.

فجعل يحدثني عن الإسلام، حتى اعتنقته وشهدت بالشهادتين، ثم قلت له: أنا رجل غريب أريد السلطان دلّني عليه يرحمك الله؟

قال: أتعني أمير المؤمنين؟

قلت: نعم.

قال: اسلك ذلك الطريق حتى تصل إلى تلك الدار.

وأشار إلى دار من طين، فقلت: أتهزأ بي؟

قال: لا ولكن اسلك هذا الطريق فتلك دار أمير المؤمنين إن كنت تريده.

فذهبت واقتربت وإذا برجل يأخذ طيناً ويسدّ به ثُلمة في الدار وامرأة تناوله الطين، فرجعت إلى الذي دلّني وقلت: «أسألك عن دار أمير المؤمنين وتدلّني على طيّان!»، فقال: «هو ذاك أمير المؤمنين»، فعدت وطرقت الباب، وذهبت المرأة، وخرج الرجل، فسلّم عليّ ورحّب بي، وغسّل يديه، وقال: ما تريد؟

قلت: هذه رسالة من كهنة سمرقند.

فقرأها، ثم قلبها، فكتب على ظهرها: «من عبد الله عمر بن عبد العزيز إلى عامله في سمرقند، أن نصِّب قاضياً ينظر في ما ذكروا».

ثم ختمها وناولني إياها، فانطلقت أقول: لولا أن يكذبني أهل سمرقند لألقيتها في الطريق، ماذا تفعل هذه الورقة، وهذه الكلمات في إخراج هذه الجيوش العرمرم، وذلك القائد الذي دوّخ شرق الأرض برمتها- يعني قتيبة بن مسلم- ويتابع رسول أهل سمرقند: عدت، فلما وصلت إلى سمرقند، وقرأ الكهنة الرسالة أظلمت عليهم الأرض، وضاقت عليهم بما رحبت، ولكنهم ذهبوا بها إلى عامل عمر على سمرقند، فنصّب لهم القاضي «جُمَيْع بن حاضر الباجي» لينظر في شكواهم، ثم اجتمعوا في يوم، وسألناه دعوانا، فقلنا اجتاحنا قتيبة، ولم يدعنا إلى الإسلام، ولم يمهلنا لننظر في أمرنا، فقال القاضي: لخليفة قتيبة، الذي كان قد مات وقتها: أنت ما تقول في قولهم؟

قال: لقد كانت أرضهم خصبة وواسعة، فخشي قتيبة إن أذنهم وأمهلهم أن يتحصنوا عليه.

قال القاضي: لقد خرجنا مجاهدين في سبيل الله، وما خرجنا فاتحين للأرض أشراً وبطراً.

ثم قضى بإخراج المسلمين من سمرقند على أن يؤذنهم القائد بعد ذلك، وفقاً للمبادئ الإسلامية، الإسلام أو الجزية أو القتال.

ما ظنّ أهل سمرقند أنّ تلك الكلمات ستفعل فعلها ما غربت شمس ذلك اليوم، ورجل من الجيش الإسلامي في أرض سمرقند، خرج الجيش كله، ودعوهم إلى الإسلام أو الجزية أو القتال، فلما رأى أهل سمرقند ما لا مثيل له في تاريخ البشرية من عدالة تنفذها الدولة على جيشها وقائدها، قالوا: هذه أمة حُكمُها رحمة ونعمة، فدخل أغلبهم في دين الله وفُرضت الجزية على الباقين.

 

كلمات

كان أول ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، بعد بناء المسجد والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وضع صحيفة المعاهدة مع اليهود. وهذه الصحيفة فيها من القواعد والمبادئ ما يحقق العدالة والمساواة بين البشر، وأن يتمتع بنو الإنسان على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأديانهم بالحقوق والحريات بأنواعها.

 

ولا تزال المبادئ التي تضمنتها صحيفة المعاهدة في جملتها معمولاً بها، والأغلب أنها ستظل كذلك في مختلف نظم الحكم المعروفة إلى اليوم.. وصل إليها الناس بعد قرون من تقريرها في أول وثيقة سياسية دوَّنها الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

أعلنت صحيفة المعاهدة أن الحريات مصونة، كحرية العقيدة والعبادة وحق الأمن، إلخ، فحرية الدين مكفولة، وقد أنذرت الصحيفة بإنزال الوعيد، وإهلاك من يخالف هذا المبدأ أو يكسر هذه القاعدة، وقد نصت على تحقيق العدالة بين الناس، وعلى تحقيق مبدأ المساواة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات