درس.. علبة البسكويت

من المعروف أن صورة الإسلام والمسلمين تضررت في العقدين الماضيين بفعل مجموعة من الأحداث المؤلمة والممارسات المضللة. انتشرت التصورات السلبية حول الإسلام والمسلمين، حتى لم يعد مفاجئاً، وبالذات في الغرب، أن يعزو عامة الناس أي فعل سلبي إلى أول مسلم يرونه، أو أن يفسروا على نحو متعسف أي سلوك مختلف يبدر عن مسلم.

في هذه الظروف، وبعد واحد من الأعمال الإرهابية التي ضربت أحد البلدان الغربية، تتلقى صحافية من ذلك البلد تكليفاً من رئيسها بإجراء حوار مع مؤلف كتاب يتبنى مواقف معادية للإسلام، فتتجه هذه الصحافية إلى محطة القطار لتسافر إلى المدينة التي يقيم فيها مؤلف الكتاب.

وفي طريقها إلى المحطة، اشترت كتاب المؤلف، وبما أنها كانت تشعر بالجوع اشترت علبة بسكويت.

في المحطة، جلست الصحافية على مقعد من المقاعد بانتظار وصول قطارها، وراحت تقرأ بالكتاب، الذي يحمل عنواناً عدائياً فجاً، وبينما هي جالسة، ظهر في المكان رجل في عمرها، تؤكد ملامحه أنه مسلم، جلس بجوارها، وأخرج من حقيبته كتاباً، وراح يقرأ فيه، ولم تحتج الصحافية الشابة إلى كثير تقدير لتعرف أن ذلك الكتاب هو القرآن الكريم.

وبالنسبة لها، فقد تأكدت هوية ذلك الرجل، إنه مسلم، من النوعية التي يتحدث عنها كتاب المؤلف، التي هي ذاهبة للقائه، لذا حاولت أن تتجاهله راجية أن يصل قطارها بأقرب وقت لتتخلص من رفقته.

وبينما هي تقرأ، وتشعر بالنفور من الرجل المسلم الذي جاورها في المقعد، راحت تسد جوعها بقطع من علبة البسكويت الموضوعة إلى جوارها بينها وبين ذلك الرجل.

وبينما هي كذلك، مستغرقة في القراءة، أدركت أن الرجل المسلم الجالس إلى جوارها كان يمد يده بين الفينة والأخرى إلى علبة البسكويت ويلتقط قطعاً منها يلتهمها دون حرج، قررت أن تتجاهله في بداية الأمر.. ولكنها شعرت بالانزعاج حينما تكرر الأمر.

بدأ الغضب يسيطر عليها، ثم فكرت في نفسها قائلة: «لو لم أكن متعلمة وجيدة الأخلاق لكنت أريت هذا المتجاسر العين الحمراء في الحال»، وهكذا في كل مرة كان الرجل المسلم يأكل قطعة من البسكويت كانت الصحافية الشابة تأكل واحدة أيضاً، فيما هي ترمقه بنظرة مستنكرة!

ولم يمر وقت طويل حتى فرغت العلبة إلا من قطعة بسكويت واحدة، حينما مد الرجل المسلم يده، وبهدوء وبابتسامة خفيفة التقط آخر قطعة من البسكويت، وقسمها إلى نصفين، وقدم للصحافية الشابة نصفاً، بينما أبقى لنفسه النصف الآخر.

نظرت إليه الصحافية الشابة بعين تتطاير منها النظرات الغاضبة، والتقطت القطعة بسرعة، ونهضت فيما هي تقول بغضب:

- يا لها من وقاحة، إنك حتى تفتقر لما يكفي من التهذيب فتشكرني.

نظر إليها الرجل المسلم مبهوتاً، وقد بدا متفاجئاً، غير مدرك لأسباب غضبها المفاجئ.

في تلك اللحظة، وصل القطار الموعود، فسارعت الصحافية الشابة إلى الصعود إليه، دون أن تلتفت وراءها إلى المكان الذي جلس فيه ذلك الرجل الذي أثار حفيظتها بأكله من علبة البسكويت دون استئذان.

وما إن تحرك القطار، فتحت الصحافية الشابة حقيبتها، لتلتقط كتابها الذي كانت أعادته إليها..

وهنا صعقت بالكامل..!

لقد وجدت علبة البسكويت الخاصة بها، التي اشترتها موجودة في مكانها بالحقيبة، حيث وضعتها، وكما هي.

وهنا، أدركت ما كان يحصل.

بدأت تفكر:

- يا الهي! لقد كانت علبة البسكويت تلك ملكاً لذلك الرجل، وقد جعلني أشاركه بها..

وأدركت حقيقة الموقف، وكيف أنها اعتقدت أن العلبة التي رأتها في الوسط بينها وبين الرجل المسلم هي علبة البسكويت الخاصة بها، ولم تفطن إلى أنها لم تخرج علبتها من الحقيبة قط، ولكنها مع ذلك، تعاملت بوقاحة، وبطريقة غير مؤدبة، مع رجل قبل أن يقاسمها علبة البسكويت الخاصة به. وكل ذلك، لأنها رأت أنه مسلم، بينما الكتاب الذي بين يديها، التي هي ذاهبة لمقابلة مؤلفه، يشجعها على أن تظن السوء بكل من له علاقة بالإسلام والمسلمين.

كم مرة في حياتنا كنا نظن بكل ثقة ويقين بأن شيئاً ما يحصل بالطريقة الصحيحة التي حكمنا عليه بها، ولكننا نكتشف متأخرين أن ذلك لم يكن صحيحاً، وكم مرة جعلنا فقد الثقة بالآخرين والتمسك بآرائنا لنحكم عليهم بغير العدل بسبب آرائنا المغرورة بعيداً عن الحق والصواب، هذا هو السبب الذي يجعلنا نفكر مرتين قبل أن نحكم على الآخرين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات