كريستو براند.. الانحياز للفطرة الإنسانية

كان الجنوب أفريقي كريستو براند مجرد شاب أبيض، يعمل في الزراعة، ويتبنى الأفكار السائدة في مجتمعه خلال عهد نظام الابارتيد العنصري، الذي اتبع سياسة تفرقة عنصرية بغيضة بين المواطنين البيض والسكان السود.

وتشاء الظروف، في عام 1978، أن يترك كريستو مهنته في الزراعة لينتقل إلى العمل في مصلحة السجون، حيث خاض التجربة الأهم في حياته، بتعرفه على الزعيم الجنوب أفريقي، نيلسون مانديلا، الذي كان يقبع في السجن حينها، حيث ارتبط به بعلاقة خرقت مألوف تلك الأيام؛ إذ لم يكن من المألوف حينها، في الظروف العادية، أن تنشأ العلاقات بين ممثلي العرقين: الأبيض والأسود؛ كان ذلك أمراً مرذولاً في ثقافة الدولة، ومجتمع البيض. وكان آخر مكان يمكن العثور فيه على من يقبل بمثل هذه العلاقة، من بين البيض، هي السجون المخصصة للسود؛ فمن يعملون في هذه الأماكن هم بالعادة من أصحاب القناعات العنصرية المتطرفة.

ولكن حدث أمر خارج عن المألوف، كسر هذه القاعدة.

كان كريستو حينها في التاسعة عشرة من عمره، حينما بدأ عمله سجاناً في جزيرة روبن، التي تضم أشهر سجن في جنوب أفريقيا، وكان مانديلا، الذي بلغ الستين من عمره، معتقلاً في هذا السجن منذ 18 عاماً. وقيل لكريستو، لدى التحاقه بالعمل، إنه سيعمل على حراسة أخطر إرهابيي العالم. وكان هذا كفيلاً بجعله يتشدد بالتعامل مع سجينه. إلا أن الأحداث أخذت منحى آخر، فقد صدم كريستو حينما تحدث إليه السجين الذي يحمل الرقم 46664، بلطف، وراح يسأله عن أحواله وأحوال عائلته وعن آماله وعن مخاوفه المستقبلية.

بدا له أن في الأمر خطأ ما، فما ظهر من السجين لا يشير بحال من الأحوال إلى أنه إرهابي أو مجرم. بل على العكس من ذلك، بدا رجلاً واعياً، مثقفاً، وصاحب قيم أخلاقية رفيعة، لا يمكن أن تكون سبباً في سجن صاحبها، إلا إذا كان هناك خطأ في القانون نفسه، أو في المجتمع ذاته.

من هذه الصدمة، خرج كريستو بقرار جريء، وهو أن يتعامل مع السجين بحسب ما يرى فيه، لا وفق ما يطلبه رؤساؤه منه. ولم يكن ذلك قراراً خاطئاً أبداً؛ فقد اتضح له فعلاً أن فطرته الإنسانية السليمة، أصدق من حكم القانون، وقرارات رؤسائه، وأن السجين الذي تم تكليفه بحراسته هو إنسان من طراز فريد.

وهكذا، ابتدأت علاقة إنسانية بين السجين والسجان، استمرت طويلاً وتواصلت لعقود.

في أثناء هذه العلاقة الطويلة، شجع السجين مانديلا سجانه كريستو على استكمال تعليمه. وأبدى اهتماماً بعائلته وشؤونه الخاصة؛ وكان بمثابة الأب والصديق له، يعطيه الرأي والمشورة، ويسديه النصح.

تأثر كريستو بشخصية مانديلا بعمق، لا سيما بما اتصف به من تواضع واحترام للكينونة الإنسانية بغض اللون عن العرق أو لون البشرة أو الدين، ويستغرب إلى هذا اليوم كيف تمكن مانديلا من تغيير العلاقة بينهما، ليقول: «كان سجيني، لكنه كان والدي في الوقت ذاته.. كنت ألجأ إليه طلباً للنصيحة عندما تواجهني أي مشكلة في حياتي»، ويشير إلى «العنصرية لم تكن حاجزاً بين روحينا».

شخصية وتجربة كريستو، الجنوب أفريقي الذي نشأ في مجتمع يتبنى التفرقة العنصرية، تؤكد أن الإنسان بفطرته السليمة قادر على تجاوز الأفكار المضللة المكتسبة، والانحياز لإنسانيته.

ويقول عن مانديلا: «كان سجيني.. وصديقي ووالدي»!

وكان كريستو يسعى لفعل كل ما يمكن لأجل راحة سجينه، ويغامر بنفسه ووظيفته ليوفر له ما يحب، الأمر الذي دفعه إلى تهريب بعض المواد لمانديلا، مثل كريم الشعر المفضل لديه، ووصل الأمر إلى قيامه بإيصال حفيدة مانديلا إليه، في سجنه، سراً، حتى يمكنه رؤيتها.

استمرت حكاية الصداقة بين الرجلين طويلاً، فعندما قامت السلطات بمحاولات لتخفيف ظروف السجن المشدد على مانديلا بعد احتجاجات دولية، نقلته إلى سجن آخر عام 1982، فأصر كريستو على الانتقال معه، ليقوم على خدمته، وكذلك الأمر حينما نقل مانديلا إلى سجن ثالث عام 1988، لم يتردد كريستو بالانتقال معه.

ومن جانبه، أبقى مانديلا على الاهتمام بكريستو وعائلته، لا سيما بعد مرور سنوات عندما أصبح أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا.

وظل الرجلان سوياً حتى أطلق سراح مانديلا عام 1990، حينها قال براند إنه «خلف فراغاً كبيراً وراءه».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات