الفنان والملاك والشيطان

لطالما كان التسامح قيمة إنسانية تثير اهتمام الشعوب والأمم، التي نسجت الحكايات المعبرة، في التأكيد على عظمة هذه القيمة، وأهميتها، وضرورتها للمجتمعات الإنسانية. ومن هذه الحكاية، واحدة مأثورة، تبرز جانباً رائعاً، يؤكد أن الإنسان بطبيعته هو ابن الخير، مجبول على التسامح، ولكن الحياة وتقلباتها، تدفعه إلى خيارات لا تنسجم مع فطرته، ولا تتفق مع طبيعته.

وهنا، حكاية من المأثورات الإيطالية، تقول:

يحكى أن أحد الحكام دعا فناناً تشكيلياً شهيراً، وأمره برسم صورتين مختلفتين ومتناقضتين كل التناقض، ليتم عرضهما في أهم ساحة في المدينة؛ لقد أمره على وجه التحديد أن يرسم صورة ملاك، على أن يرسم مقابلها صورة الشيطان، ليتمكن كل إنسان من رصد الاختلاف بين الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والتسامح والكراهية.

أبدى الفنان استعداده للقيام بالمهمة على الفور، وبدا له أنها مهمة سهلة، لا تحتاج إلى كثير عناء؛ فانصرف من عند الحاكم، وبدأ على الفور بالبحث عن مصدر يستوحي منه اللوحتين. وكان يظن أن من السهل أن يرسم الشيطان، فكل ما يحتاجه لذلك هو إيجاد إنسان قبيح، قذر، وكريه، وأن من الصعوبة إيجاد إنسان يستوحي منه صورة الملاك، ولكن الفنان، سرعان ما عثر على طفل بريء وجميل، تطل السكينة من وجهه المستدير، وتغرق عيناه في بحر من السعادة الهادئة المطمئنة.

وبالفعل، استأذن الرسام ذوي الطفل في استلهام صورة الملاك من وجه طفلهم، ومنحهم مبلغاً من المال لقاء ذلك؛ وكان اختياره موفقاً لدرجة أنه كان يرسم صورة الملاك باستمتاع شديد، فلم يشعر بمرور الشهر الذي استغرقه إعداد لوحته، التي جاءت لدى الانتهاء منها مبهرة، تثير إعجاب كل من يراها. وكانت نسخة من وجه الطفل، مع القليل من إبداع الفنان.

وانتقل الفنان إلى الجزء الثاني من مهمته: رسم لوحة للشيطان.

بدأ في البحث عن شخص يستوحي من وجهه صورة الشيطان. وكان الرجل جاداً في بحثه، ولكنه وجد أن العثور على مراده ليس يسيراً كما توقع؛ لذا جد واجتهد بالبحث أكثر، وكرس جل وقته لذلك، غير أنه لم يعثر على ضالته، فقد مر شهر واثنان. ثم عام وثلاثة، ثم خمس وعشرة أعوام دون أن يجد إنساناً يستطيع أن يستوحي من وجهه صورة الشيطان.

وكاد اليأس أن يغلبه، فيستسلم، ولكن الحاكم كان يصر ويلح عليه، فواصل البحث، وطال بحثه لأكثر من عشرين عاماً؛ فخشي الحاكم أن يموت الرسام قبل أن يستكمل التحفة التاريخية، أو أن يموت هو نفسه قبل ذلك؛ فأعلن عن جائزة كبرى تمنح لأكثر الوجوه إثارة للرعب، ولكن ذلك لم يأت بأي نتيجة.

وفي تلك الأثناء، كان الفنان قد زار السجون ومراكز عزل المجذومين وأماكن السوء، ومراتع المجرمين، لكنه لم يجد بينهم جميعاً من يمكن أن يستوحي من وجهه صورة الشيطان.

وذات يوم، بعد مرور نحو خمس وعشرين عاماً على بحثه، عثر الفنان فجأة على «الشيطان»، الذي يبحث عنه. كان رجلاً قبيحاً، سيئ الأخلاق، قذراً، كريه الرائحة، يترنح على قارعة الطريق.؛ فاقترب منه ووعده بإعطائه مبلغاً من المال، لا يحلم به، مقابل السماح له برسمه. وافق الرجل، الذي كان عديم الروح، لا يأبه بشيء.

وهكذا، بدأ الرسام في رسم لوحته؛ كان يرسم وجه الرجل على قماش اللوحة مضيفاً إليه ملامح «الشيطان».

وذات يوم، بينما كان الفنان يرسم، قال للرجل إنه مدين له بالفضل، فلولاه لما كان استطاع أن يلبي رغبة الحاكم، في رسم لوحة للشيطان. وهنا، فوجئ الفنان بـ«الشيطان»، الجالس أمامه، يبكي، إذ نزلت دمعة مترددة على خده، فاستغرب أمره وسأله عن ذلك، فقال «الشيطان»، بصوت أقرب إلى البكاء المختنق:

- لقد زرتني، يا سيدي، منذ أكثر من عشرين عاماً حين كنت طفلاً صغيراً. واستلهمت من وجهي صورة الملاك. وأنت اليوم تستلهم من وجهي صورة الشيطان؛ لقد غيرتني الأيام والليالي حتى أصبحت نقيض ذاتي!

وانفجرت الدموع من عينيه، وراح يبكي.

انتهت الحكاية، والعبرة هي أن الله يخلقنا جميعاً والخير في قلوبنا والتسامح في أرواحنا والجمال على وجوهنا والقوة في أجسادنا، ولكن نحن من نخلق من أنفسنا أحياناً شياطين، نميل إلى الشر ونجنح إلى الكراهية ونتصف بالقبح ويأكلنا الضعف.

 

كلمات

الإنسان بطبيعته هو ابن الخير، مجبول على التراحم والتسامح، ولكن الحياة وتقلباتها، تدفعه إلى خيارات لا تنسجم مع فطرته، ولا تتفق مع طبيعته.

 

يخلقنا الله سبحانه وتعالى جميعاً والخير في قلوبنا والتسامح في أرواحنا ولكن نحن من نخلق من أنفسنا أحياناً شياطين، نميل إلى الشر ونجنح إلى الكراهية.

 

لحظة تسامح واحدة يمكنها أن تذر رياح الكراهية والقبح وتكشف عن الإنسان النقي الكامن في أرواحنا المدفونة تحت غبار المشاعر السلبية القاتلة.

 

يصعب أن يشبه الإنسان الشيطان في شيء طالما كان متمسكاً بقيمة واحدة على الأقل هي التسامح، ولكن ما إن يتخلى عنها حتى يصبح شيطاناً فعلاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات