أبو ماضي يوسع مفهوم الكرم حتى أنوف السارقين

إيليا أبو ماضي، شاعر لبناني الأصل، يعتبر من أهم شعراء المهجر الذين سطعت تجربتهم الأدبية في الأفق العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين، ولد في جبل لبنان عام 1890 وتوفي في نيويورك عام 1957.

شارك في تأسيس ما عرف في تاريخ الأدب العربي المعاصر بـ«الرابطة القلمية» في الولايات المتحدة، وقد جمعت معه جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة.

من أبرز ما اتسم به شعره، الحكمة والإصلاح الاجتماعي، فهو لا يني يروج لقيم الخير والجمال والتسامح في غير ما قصيدة نظمها خلال سنيّ عمره الزاهرة بالشعر الرومانسي والرمزي.

وفي القصيدة «الرمزية» التي نحن بصددها اليوم يلتفت إيليا إلى أهم صفات العرب إطلاقاً: الكرم، فيحتفي بالكريم ومكانته وسط المجتمع الذي لا يكف عن محبته وإعلاء شأنه لما يتحلى به من خلة لا يتوافر عليها كل الناس، بسبب إدبار النفوس عادة عن إنفاق المال خشية الإملاق «فالجود يفقر» .

كما قال المتنبي، ولذلك تضن الأنفس بالعرَض، من ذهب وفضة وأنعام، وأما من حاز صفة الكرم فإنه ليس كعامة الناس، وإنما تنصرف نفسه الوضيئة إلى البذل والعطاء وتحبذ ذلك، بما يعني فرادة مثل هذه النفوس الكبار.

إيليا أبو ماضي يوسع مفهوم الكرم، فلا يقصره على المال فحسب، وإنما يذهب به إلى دائرة أكبر، تضم أول ما تضم حسن الخلق، بما يعنيه ذلك من حِلم وسماحة وميل فطري إلى العمل الصالح والقول الكريم والنصيحة والصدق والوفاء والأمانة والإخلاص والعزيمة في الحق والجد في العمل الطيب، كل تلك السجايا يتسم بها الكريم، بجانب الجود وحب العطاء بمختلف صوره وتجلياته. ولذلك يحبه الناس جميعاً ويهشون ويبشون لرؤيته، كما لو كان شمساً تنبلج في ظلماء المجتمع وحاجاته الملمة كما يقول إيليا:

إن الكريم لكالربيع تحبه للحسن فيه

وتهش عند لقائه ويغيب عنك فتشتهيه

لا يرتضى أبداً لصاحبه الذي لا يرتضيه

وتراه يبسم هازئاً في غمرة الخطب الكريه

وإذا الليالي ساعفته فلا يدِلّ ولا يتيه

كالورد ينفح بالشذا حتى أنوف السارقيه

هكذا يتضح وبشكل قاطع أن مفهوم الكريم قد تجاوز حدود الجود بالماديات إلى القيم العليا المعنوية كما ذكرنا، إلا أن مما يسترعي الانتباه فعلاً هذا البيت الشعري الأخير الذي يقول يوجز فيه إيليا رسالته حين يشبه الكريم بأنه كالورد ينفح بالشذا حتى أنوف السارقين، فهو لا يكف عن العطاء الإيجابي ولا يستثني أحداً حتى من يعتدون عليه ويجتثون شأفته طمعاً وظلماً فهو يفوح لهم بأريج ذاته العطرة، لأن تلك هي شيمته وأصله.

مثل هذا الشعر الكريم، كيف لا يكون من أشعار الخير وهو يروج لهكذا أنموذج إنساني رفيع يجعل البذل بلا حدود قضيته ومحور وجوده بين الناس؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات