كعب بن زهير يحتفي بقيم التسامح

كعب بن زهير، شاعر مخضرم نظم قصائد في الجاهلية، وأنشد قصيدته محل حديثنا اليوم، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي قصيدة يحفظها أو يحفظ بعض أبياتها كثير من عشاق الأدب، يقول في مطلعها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ

متيم إثرها لم يفد مكبولُ

لعل مما أكسب قصيدة «بانت سعاد» صيتاً ذائعاً أنها أُنشدت أمام الرسول الكريم، وأنها كانت سبباً في حصول الشاعر على العفو النبوي وعلى بردة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، التي خلعها بنفسه وألبسها كعباً إكراماً وتقديراً لما جاء فيها من معانٍ سامية روّجت لرسالة الإسلام السمحة وللأخلاق الكريمة بأحسن الصور.

فانداح خبرها بين قبائل العرب، وتغنى بها المؤمنون في كل مكان، حتى إنها سميت قصيدة «البردة» الشريفة، ومن مميزات القصيدة أنها تساق مثلاً على أن الإسلام لم يحرم الشعر، بل لم يمنع استهلال القصيدة بالتغزل، وهو الأمر الذي درجت عليه العرب من قبل.

وإن من وجوه الخير التي روّجت لها قصيدة كعب بن زهير، ذلك الاحتفاء الكبير بقيم التسامح والحِلم الذي هو العفو عند المقدرة، ما أبرز في الوسط الشعري ثقافة جديدة من خلال نص اعتذاري تاريخي رصين يقول فيه رضي الله عنه:

نبئت أن رسول الله أوعدني

والعفو عند رسول الله مأمولُ

لقد سرد الشاعر أجواء مشحونة بالخطر والموت في أية لحظة، وبرغم ذلك فهو يأمل في العفو دون يأس من خلال ثقته في فضيلة التسامح التي تضمن الحياة لكل متهم بحق أو من دون حق.

ولكنّ وجه الذكاء في التماس العفو من جانب سيدنا كعب يتمثل بجلاء في تشفعه بخصال النبي الكريم التي هي من قيم الإيمان أصلاً، فهو قد سامح أهل مكة من قبل فقال لهم يوم فتحها: «ما تظنون أني فاعل بكم، فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم».

فما خيب ظنهم وهو على خلق عظيم صلى الله عليه وسلم، فرد عليهم بقوله الذي احتفظ به التاريخ، ورضيه الله فوق سبع سموات، ورضيه الناس في كل مكان وزمان: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، وهم الذين قاتلوه وأخرجوه من داره وأهله يهيم بين كهوف الجبال، إلى أن أبلغه ربه تعالى مأمنه، ومكّن له دينه وأظهره على الدين كله، وما تزال دعواه تتردد في الآفاق، وتخفق بها القلوب المؤمنة في مشارق الأرض ومغاربها. كعب بن زهير سجل هذا شعراً، واحتفى به، وتشفّع قائلاً:

إنَّ الرسولَ لنور يُستضاءُ بِهِ

مُهَنَّدٌ مِن سُيوفِ اللهِ مَسلولُ

في فِتيةٍ مِن قُريشٍ قالَ قَائِلُهُم

ببَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا

ولكن أظن أن من أعجب ما قال كعب في امتداح خصال محمد، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه هو أنهم قوم:

لا يَفرَحونَ إذا نَالَتْ رِماحُهمُ

قومًا وليسوا مَجَازِيعًا إذا نِيلُوا

تخيل هذا الكلام!!.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات