العطاء وحسن الخلق

د. محمد سبيل

تستّر بالسخاء فكلُّ عيبٍ

يغطيه كما قيل السخاءُ

ولا ترجُ السماحةَ من بخيلٍ

فما في النار للظمآن ماءُ

هذان البيتان الشهيران مقتطفان من قصيدة بديعة للإمام الشافعي، أحد أئمة المذاهب الأربعة، وهو شاعر بليغ لا يشق له غبار.. فما أصدقه وما أصدق بيتيه.

والدليل وافر على أن العطاء يغطي العيوب جميعاً ويعلو عليها فلا تبدو للناس مع السخاء إلا لشمائل المرء الحميدة.. وفي هذا المعنى يحكى أن اعرابياً قدم على معنٍ بن زائدة وهو أمير على العراق، وكان الأعرابي قد سمع الشيء الكثير عن كرم معن وحلمه. فلما وقف أمام الأمير قال:

أتذكر إذ لحافك جلد شاةِ

وإذ نعلاك من جلد البعيرِ؟

فقال معن: أذكر ذلك ولا أنساه، فكأن الأعرابي أراد أن يذكّره بما كان عليه من فقر وقلة ما في اليد، قبل ان تتحسن حاله بالإمارة. ثم قال الأعرابي:

فسبحان الذي أعطاك مُلكاً

وعلّمك الجلوس على السريرِ

فقال معن: سبحان الله. فقال الاعرابي:

فلستُ مسلّماً إن عشتُ دهراً

على معنٍ بتسليم الأميرِ

قال معن يا أخا العرب، السلام سنة وهذا شأنك.

فقال الأعرابي:

سأرحل عن بلاد أنت فيها

ولو جار الزمان على الفقيرِ

فقال معن: ان جاورتنا فمرحباً بك وان رحلت فمصحوباً بالسلامة. فقال الاعرابي:

فجُدْ لي يا ابن ناقصةٍ بشيء

فإني قد عزمتُ على المسيرِ

فقال معن أعطوه ألف دينار يستعين بها في حياته. فقال الأعرابي:

قليل ما اتيت به وإني

لأطمع منك بالمال الكثيرِ

قال معن أعطوه ألفاً آخر، فأخذها وقال:

سألت الله ان يبقيك ذخراً

فما لك في البرية من نظيرِ

قال معن اعطوه ألفاً آخر فقال الأعرابي:

يا أمير جئت مختبراً حِلمك، لِما بلغني عنه، فقد جمع الله فيك من الحِلم ما لو قسّم على أهل الأرض لكفاهم.

فقال معن: يا غلام اعطه على نظمه ثلاثة آلاف وعلى نثره مثلها.

مما سبق نلمس بوضوح أن مفهوم السخاء المعنوي أقوى تأثيراً من العطاء المادي، شريطة أن يترافقا، فالحلم عطاء والصبر على الناس عطاء والعدل وقول الحق عطاء عظيم، به تحفظ الذمم وتحقن الدماء وتضمن الحقوق وبالتالي تصان الحياة برمتها في ظل كرامة الانسان وسلامته. ولذلك ربط الإمام الشافعي بين السخاء والسماحة، بمعنى أن العطاء المادي يعلمك الحلم والتسامح لأن التسامح عطاء معنوي فقال:

ولا ترجُ السماحةَ من بخيلٍ

فما في النار للظمآن ماءُ

إن البذل السخي في العمل والمال ورحابة الصدر عفواً وصبراً وتسامحا، كل ذلك كما يبدو حزمة واحدة تسمى صفة الكرم، فالكريم إنما هو أصلاً كريم نفس، وكريم النفس لا يمكن الا أن يكون مغمساً في مكارم الأخلاف التي تجلي النفوس وتكسبها الصفات الحميدة،.. صفات الخير.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات