عبد الرحمن مخلوف المدير الأسبق لدائرة تخطيط المدن في أبوظبي:

عزيمة زايد حوّلت المستحيل إلى واقع حي ينطق بالإنجازات

العظماء لا يرحلون لأنهم يتركون من طيب ذكرهم ما يبقى خالداً أبد الدهر، وتتناقل الأجيال سيرتهم غضّة حيّة كما لو أنهم يعايشونها لحظة بلحظة..

والمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، كان قامة إنسانية باسقة، يفوح عطره على كل من عاصره، فأصبحت يومياته معهم كنزاً ثميناً يتناقلونه بين أبنائهم وأحفادهم ميراثاً عزيزاً يستقون منه ما يهتدون به في الحياة..

هذه صفحة يومية لأناس عاصروا الشيخ زايد بن سلطان يروون أحاديث الفكر والقلب والوجدان ممزوجة بعبق المحبة الغامر.

 

على مدى ثلاثة عقود، رافق الدكتور عبد الرحمن مخلوف رائد تخطيط المدن والمدير الأسبق لدائرة تخطيط المدن في أبوظبي، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، وقف خلالها على جوانب كثيرة من شخصية هذا القائد العظيم، التي كونها من خلال انطباعاته الشخصية للأمور التي أدركها وشهدها بنفسه أو سمعها من غيره، ويصف المغفور له بإذن الله فيقول: «لقد حمل الشيخ زايد، طيب الله ثراه، آمال وطموحات شعبه في جميع المجالات وفق نظرة فلسفية إنسانية وتنموية وحضارية شاملة، ولم تكن الأحلام والطموحات والآمال سهلة المنال، ولكن فكر وعزم وإصرار الشيخ زايد ونفاذ بصيرته وحنكته حوّل المستحيل إلى واقع حي ينطق بالشواهد والإنجازات الخلّاقة عبر مراحل متعددة».

ويضيف: «كانت تبدو في محياه القوة والمهابة، وهاتان الصفتان يدركهما كل من التقى به للوهلة الأولى سواء كان رجلاً عادياً أم أي شخصية لها مكانة سياسية أو اجتماعية، فكان الشيخ زايد دائماً يشع بالجاذبية والبشاشة وهذه الصفات لا تفارقه وهو في أحلك الحالات من التعب والإرهاق بسبب كثرة أشغاله وتنقله بين المشاريع والوقوف على أمور الإمارة والدولة».

إنجازات

وقال الدكتور مخلوف: «إنني أتذكر الكثير من الإنجازات الدالة على الرؤية الصائبة والنظرة الثاقبة التي تميز بها الشيخ زايد، رحمه الله، وأراها ماثلة في الأهداف التي رسمها وفي العديد من المشروعات التي أمر بتنفيذها في شتى المجالات العمرانية، خاصة تلك التي كانت تبدو حتى لبعض المسؤولين آنذاك أحلاماً يتراوح الرأي بشأنها بين اعتبارها بعيدة المنال أو مستحيلة في حين أنها ـ برؤيته الشاملة ونظرته الثاقبة شكلت في منظومة آمالاً وأهدافاً واقعية، مضى إلى تحقيقها بإرادة واثقة وجهود فائقة».

وأضاف: «سرعان ما شهدنا -في بضع سنين من الزمان- ثمرات الرحلة الناجحة لأحلام زايد ورؤاه، من تصور في الخيال إلى واقع مشهود وأن آماله قد تحققت في مجال توفير الحياة الكريمة للإنسان وفي مجال التشكيل الأمثل للمكان والأمثلة على ذلك كثيرة».

حب عميق

ويتحدث الدكتور عبد الرحمن مخلوف عن الحب العميق الذي كان يحمله الشيخ زايد لشعبه بقوله: «إن المعاني الدالة على الحب العميق الذي كان يتملك الشيخ زايد، طيب الله ثراه، لمواطنيه ومجتمعه ووفاءه للأجداد والتقاليد الأصيلة كانت تتجلى في كل تصرفاته وأعماله، وأتذكر في لقاء معه في قصر البحر وكان موضوع الاجتماع تسمية الشوارع الرئيسية في مدينة أبوظبي حيث اختار، المغفور له بإذن الله، الأسماء المعروفة الآن في أبوظبي وهي في مجملها ذات دلالات حكيمة جغرافية وإنسانية وتاريخية مثل شارع دلما، البطين، بني ياس، السلام وغيرها». وأضاف: «ومن المعاني الدالة على أهدافه نحو أبناء وطنه انه اختار اسما فريدا لأحد أهم شوارع أبوظبي وهو شارع «السعادة» وهذا يذكرنا بما قاله الفيلسوف الإغريقي «أرسطو» عن المدينة المثالية كما تصورها: «أن تكون بجانب تأدية وظيفتها الأساسية وهي توفير المأوى والحماية لسكانها فأيضا تكون مصدراً للسعادة».

ظروف صعبة

ولم يكن الأمر غريباً أن تشغل الظروف الصعبة وشح الموارد وصعوبات الحياة التي يعانيها الناس بال الشيخ زايد، طيب الله ثراه، حيث كان يرد دائما: «كنت أفكر دائما في خدمة أبناء وطني، وفي سعادتهم قبل أن تكون لدي خطة وقبل أن تتوفر لي الإمكانات التي أنعم الله بها علينا مع ظهور البترول، إن شعبنا حرم كثيرا في الماضي من الخدمات والمرافق التي يتمتع بها غيره وآن الأوان أن نعوض شعبنا عما فاته لينعم بما أعطاه الله من خير وفير».

وأكد أن النهضة العمرانية الشاملة التي أرسى دعائمها قائد المسيرة الملهم الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، وأسكنه فسيح جناته لم تشهدها أي دولة وليس لها مثيل في العالم.

ويتحدث الدكتور مخلوف عن بداية قدومه إلى أبوظبي بقوله: «في العام 1968 طلب الشيخ زايد، طيب الله ثراه، من الأمم المتحدة إرسال خبير لتخطيط المدن للمساعدة في إعداد المخطط العام لمدينة أبوظبي، فتم ترشيحي لهذه المهمة فعينت مديراً لتخطيط المدن في أبوظبي حيث توليت مهام تخطيط المدن بها وتأسيس دائرة المدن في أبوظبي والعين.

ويتذكر الدكتور مخلوف: «كان الشيخ زايد يلقي عليك الأنس والراحة والسكينة وكانت تبدو عليه دائما ملامح العزم والشجاعة وهذه الصفة يدركها الجميع بمجرد النظر إليه، وكان، طيب الله ثراه، شجاعاً في اتخاذ قراراته، ولعل التاريخ سجل له العديد من المواقف التي وقف فيها بكل عزم وشجاعة على كافة الأصعدة وهذه الوقفات التاريخية لا تعد ولا تحصى وكان في خطاه الإقدام والجسارة فلم نجده يوما تراجع عن اتخاذ أو تنفيذ أي أمر».

صبر ومثابرة

وأضاف: «كان الشيخ زايد، طيب الله ثراه، يتحلى بالصبر والمثابرة وهاتان الصفتان من الأسباب التي كانت وراء أعماله وإنجازاته العظيمة التي تحققت في فترات زمنية قصيرة لا تحسب في عمر الدول والشعوب، كما كان الشيخ زايد شديد التواضع، صافي القلب، نقي السريرة تتفجر من جنباته تعابير الرحمة والعطف لكافة البشر والمحيطين به، كما امتازت شخصية الشيخ زايد بالاعتدال والوسطية انعكست في شخصيته الهادئة وطبيعة عيشه وتعامله مع الآخرين ولم تتغير شخصية الشيخ زايد منذ الأيام الأولى التي عرفته إلى أن توفاه الله.

ويرى الدكتور عبد الرحمن مخلوف أن الشيخ زايد طيب، الله ثراه كان خيّراً في كل أفعاله وأقواله وأصبح يعرف بـ«زايد الخير» وقد تصبغت وتشربت شخصيته بصفات عظيمة استمدها من دينه السمح وعروبته الأصيلة، فقد ارتكزت شخصيته وتربت على المبادئ والقيم الإسلامية السمحاء وتأثر كثيراً بالقرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة والتاريخ الإسلامي العظيم وكان جميعها المنهل العذب الذي استقى منه معارفه الدينية ومشاعره الإيمانية ومثله العليا في الحياة والحكم.

إخلاص يفوق الحدود

وأضاف الدكتور مخلوف: «دائماً كنت أقول إن «إخلاص زايد.. زائد» وأكثر من الحد الذي أعرفه وأعهده على البشر فقد تمتع، رحمه الله، بالإخلاص في العمل والصدق وكان هذا هو سر نجاحه في كل ما فعله لأن في الإخلاص والصدق نجاح الأعمال وقبولها من الله تعالى وخلقه، ولو لم يكن الشيخ زايد مخلصاً لله ولشعبه لما رأيت هذه النجاحات التي توالت تباعاً منذ أول يوم تقلد فيه مقاليد الحكم ومنذ الأيام الأولى التي بدأ فيها مسيرة التأسيس والبناء.

ويرى الدكتور عبد الرحمن مخلوف أن الله عز وجل قيض الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -طيب الله ثراه- لأن يأتي في هذه المرحلة التاريخية المهمة، حيث الظروف المواتية للإعمار وتأسيس دولة الاتحاد، فقام بمهمته على أكمل وجه فحقق أنجح اتحاد على مستوى المنطقة، كما يعد من أهم أحداث القرن العشرين الايجابية على المستوى العربي، كما حقق مسيرة تنموية وحضارية قل مثيلها في العالم.

اللقاء الأول

وعن أول لقاء له مع الشيخ زايد بن سلطان يقول الدكتور عبد الرحمن مخلوف: عندما رشحتني الأمم المتحدة كخبير للتخطيط العمراني بناء على طلب الشيخ زايد، وصلت إلى أبوظبي يوم 2 نوفمبر عام 1968، ومكثت فيها شهرا أدرس تضاريس وجغرافية المدينة، حيث كان الشيخ زايد في ذلك الوقت خارج البلاد في جنيف، وبعد عودته التقيت به بعد العصر في مكان بالقرب من فندق انتركونتيننتال، حيث اعتاد أن يقوم بالمرور بعد صلاة العصر على المشاريع العمرانية التي تنفذ في ذلك الوقت ثم يجلس في نهاية المطاف في هذا المكان.

واستطرد: «كان يجلس بجوار الشيخ زايد المغفور له الشيخ حمدان بن محمد وعندما سلمت عليهما بادرني الشيخ زايد بالقول والبشاشة تعلو وجهه: «إيش ناوي تسوي لنا، تعطى لنا خرائط وتقول يجب تنفيذها، أم ستقوم برسم ما نبغاه يا دكتور» فقلت له: «يا صاحب السمو لكل خارطة بدائل كثيرة.. فاختاروا منها ما يناسبكم وما نتفق عليه»، فسر رحمه الله لهذا الرد وأصدر مرسوماً أميرياً بتعييني مديراً لتخطيط المدن في إمارة أبوظبي، وتوليت تأسيس دوائر تخطيط المدن في أبو ظبي والعين، وإعداد المشروعات التفصيلية والتنفيذية للمدن والإمارة والإشراف على تنفيذها وذلك خلال الفترة من 1968 ـ 1976.

سيرة ذاتية

نشأ الدكتور عبد الرحمن مخلوف في أسرة عريقة في صعيد مصر قرية (بني عدي) تقدس العلم وترفع قدره فالجد والوالد من أعلام الأزهر الشريف، الشيخ محمد حسنين مخلوف شيخ الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء منذ تأسيسها عام 1911 والوالد الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية وتخرج في جامعة القاهرة كلية الهندسة قسم العمارة عام 1950.انتدب للأمم المتحدة خبيراً لتخطيط المدن في المملكة العربية السعودية من عام 1959 إلى 1963.

تعليقات

تعليقات