حصة العسيلي.. «ماما الإعلام» ونبع العطاء

صورة

حينما تقابل الدكتورة عائشة البوسميط المستشار الإعلامي في هيئة الطرق والمواصلات في دبي، لن تشعر برسمية اللقاء، خصوصاً وأن مستضيفتك مستودع للمعلومات وخبرة لا يستهان بها، ستُعجب ببساطتها المتناهية، لتنتقل معها في حوارات ومواضيع شتى، تدرك من خلالها سعة الاطلاع والحنكة التي تتمتع بها، وتخرج في نهاية المطاف دون أن تدرك كم من الوقت أمضيت معها، ففي حديث شيق محوره الوطن سرعان ما تمر اللحظات دون أن تدري.

رابط مقدس

الدكتورة عائشة البوسميط كانت خير من يتحدث عن الإعلامية القديرة حصة العسيلي، فهي أول إعلامية في الإمارات وتسمى "ماما الإعلام"، وهي فوق هذا وذاك تولت مهمات عديدة في المعارض الخارجية التي شاركت في الدولة باحترافية عالية ووطنية صادقة فكانت مستودع العطاء.

في مستهل حديثها، قالت البوسميط: لا أريد أن أكون تقليدية في سردي لسيرة حصة العسيلي، لكن من أجل إعطاء هذه المرأة المبدعة حقها، يتوجب علينا الولوج إلى بعض المحطات في حياتها، والإسهاب في بعض الجوانب والتفاصيل.

وتحدثت عن زخم الشخصية وتعدد أوجه نبوغها وتألقها في مسيرة مديدة وغنية بالدروس والعبر، قدمتها على مدى سنوات طويلة وهي التي امتلكت حياة حافلة بالنشاط الأكاديمي والاجتماعي والثقافي، وتوزعت تجربتها على دول ومجتمعات عربية وغربية عدّة، لذلك جاءت خبرتها متنوعة ومميزة، وهي التي اعتقدت ولا تزال، بأن وراء كل إنسان طاقة خلاقة عليه استثمارها لخدمة وطنه.

المرأة الوحيدة

ووصفت الدكتورة عائشة البوسميط، حصة العسيلي بأنها الأم الرحيمة أو الأم الثانية، إن جاز التعبير، فقد تعلمت منها ماذا تعني قيم المواطنة الحقة، وكيف تكون محباً مخلصاً لوطنك فعلاً لا قولاً، وأضافت: كنت قبل الالتزام الوظيفي أرافق حصة في سفرها خلال المشاركات الخارجية للدولة في المعارض المتنوعة، ومن المواقف التي لا تغيب عن ذاكرتي مشاركة الإمارات في إكسبو عام 2000، عندما وقفت حصة وكانت المرأة العربية الوحيدة التي تقف أمام حشود من المشاركين والحضور لتتحدث بلغة إنجليزية واضحة عن مشاركة دولة الإمارات، مؤكدة: كنت أشعر بزهو وفخر، والكل يسأل من هذه السيدة القادمة من دولة عربية خليجية، كان إحساسي أنها لم تمثل في هذا اليوم دولة الإمارات، وإنما وطننا العربي الكبير.

مستودع الخبرات

وتابعت: معرفتي بها بدأت منذ الصغر، فهي من علمتني مفردات الحياة، وهي مرشدتي وموجهتي وبوصلتي التي أستشيرها في صغائر الأمور وحتى أكثرها أهمية، وأنا واثقة أني أمام مستودع من الخبرات.

كانت في فترة من فترات التألق العملي كثيرة الأسفار، ولازمتها حينها، ومن شدة التعب نتيجة الترحال المتواصل والمشاركات الإماراتية الخارجية، كنت دائماً أسأل نفسي: من أين لهذه السيدة كل هذه القوة والعزيمة؟! لكن الجواب كان واضحاً، فما يحرك حصة العسيلي، وحركها طوال مسيرتها، هو إيمانها الشديد وحبها للإمارات، ذلك الشعور الوطني المنحاز دوماً للوطن هو سر تألقها وتوهجها الدائم.

وفي أحد المعارض الدولية الكبرى كنت برفقة أعضاء وفد الإمارات، ورأينا على أحد الممرات آثار دماء، لم نعرف من صاحبه وماذا حل به، لنكتشف لاحقاً أن حصة هي التي تنزف دماً من قدمها، وبسبب انشغالها في تحضير الجناح، لم تكن تشعر حتى بأنها جريحة، إنه الإحساس والشعور الوطني الخالص المنحاز إلى الوطن.

موقع للصلاة

وفي إحدى المشاركات الإماراتية، أذكر تحديداً في سويسرا، والحديث لعائشة البوسميط، أن حصة كانت هي «فريق العمل بكل بساطة»، لا أحد معها تتابع أدق التفاصيل حتى الضيافة، وهي القهوة العربية الإماراتية، تعدها بنفسها لتقدمها إلى ضيوف الجناح، والتي أجادت فن إتقانها من «بابا زايد»، رحمه الله، والذي تشرفت بلقائه أكثر من مرة خلال افتتاحه جناح دولة الإمارات في معارض عدة.

وفي معرض بإيطاليا، كنت معها، ومن عادتها تخصيص موقع للصلاة، وفي إحدى المشاركات جاءها طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره، وكان يسأل عن الدين الإسلامي، لنفاجأ بعدها بإشهار إسلامه، ومعه تسعة أشخاص، وكم كانت فرحتها بهم كبيرة، ومن أبرز صفات حصة أنها كانت تهتم بأدق التفاصيل، وتُعنى براحة الفريق الذي يسافر معها لتمثيل الدولة في المعارض، ولأن الدولة كانت في مرحلة التطور كانت بعض الدول لا تعرف أين موقع الإمارات على الخريطة، فكانت حصة تجيب وتتواصل بصورة مشرفة جعلت من الإمارات معلماً معروفاً.

«ماما حصة»

الدكتورة عائشة تحدثت بلغة يغلفها الإحساس بالفخر، معتبرة حصة من الأهل، وقد تمكنت من تعليم جيل من الشباب كانوا محظوظين في مرافقتها بالأسفار، فغرست فيهم مفاهيم المواطنة الحقة، والثقة بالنفس، وكان الكل يناديها «ماما حصة».. شخصيات كثيرة عملت معها وغدت الآن في مناصب قيادية، ولا تزال تدين لها بتعليمهم أبجديات الحياة العملية الصحيحة، وأنا أراها في المنزل، ونلتقي بصورة شبه مستمرة، فتواصلنا يتعدى البعد المادي والتواصل الجسدي، وعلاقتي بها هي علاقة الابنة بأمها، نتفق ونختلف ونحترم آراء بعضنا البعض.

حصة باختصار، كما أكدت عائشة البوسميط، هي قصة وطن؛ وطنيتها العالية هي المحرك الأول لها.. أثبتت منذ سنوات كثيرة أن المعارض والمشاركات الخارجية، ليست أمراً هيناً أو عادياً، بل هي ترويج للدولة وإبراز لجوانبها الثقافية والاقتصادية والتاريخية، لذا كانت تحمل وطنها في قلبها أينما حلت وارتحلت.

بدأت صغيرة

حصة العسيلي من وجهة نظر ابنتها الدكتورة عائشة، تحدثت عن مفاصل محورية مهمة في هويتنا، منها أهمية الانفتاح الثقافي مع الحفاظ على موروثنا، وذكرت لنا أن حصة بدأت حياتها العملية وهي صغيرة لم تتجاوز الـ 15 من العمر، والدتها توفيت على سجادة الصلاة، ووالدها تعرض لإصابة في الظهر فاضطرت على تحمل المسؤولية، وانطلقت في العالم الرحب.

وختمت الدكتورة عائشة البوسيمط حديثها قائلة: أنا سعيدة جداً، فحصة العسيلي بالنسبة لي أم، وهي فوق ثقافتها وعلمها ووطنيتها، تجمع كل صفات الإيثار والعطاء والأحاسيس الدافقة، هكذا هي وهكذا بقيت.. شريان عطائها الدافق لم يتوقف، فقد كانت العسيلي وستبقى، نموذجاً حياً للعطاء، وحضوراً شجياً متوشحاً بالأمل والحب والإخلاص.

 

صوت الساحل

بعد عملها مع إذاعة «صوت الساحل» في الشارقة، انتقلت حصة عام 1969م للعمل مذيعة في تلفزيون الكويت من إمارة دبي، ثم تحولت مع بداية دولة الاتحاد إلى مذيعة أولى مع تلفزيون وإذاعة أبوظبي حتى العام 1974، متدرجة بصعودها الوظيفي من منصب إلى آخر، لتباشر بعدها مهامها الوظيفية في وزارة الثقافة والإعلام، وصولاً إلى عام 2000، وقد حظيت خلال تلك السنوات بمنصب مشرّف، وهو أول امرأة في العالم تتقلد وظيفة مفوض عام في معرض إكسبو سنة 1992، ثم أول عربية يتم اختيارها عضواً في لجنة التسيير والمتابعة في «هانوفر» عام 2000م، مع الكثير والعديد من الأوسمة والجوائز وشهادات التقدير.

 

أول صوت إذاعي في الدولة.. 1965

حصة العسيلي وكونها أول إعلامية في الدولة، فقد فتحت المجال أمام المرأة لدخول الإعلام، وهو أهم الإنجازات في حياتها العملية، عــلاوة على تمثيلها الدولة في المحافل الدولية، إذ بدأت العسيلي مشوارها مع انطلاقة إذاعة «صوت الساحل» التابعة لإمارة الشارقة سنة 1965، وأكملت دراستها من المرحلة الابتدائية إلى الثانوية في مدارس الشارقة، وكانت محاطة بنخبة من رواد الحركة الشعرية والأدبية في الإمارات.

وفي جانب آخر أوضحت البوسميط أن حصة وخبرتها الكبيرة في مجال الإعلام وعالم المعارض، تبدو طاقة غير مستــغلة، إنها خــبرة كبـــيرة ويمكن أن تكون ذات فائدة عظـــيمة، خاصة في ظل سعي الإمارات نحــو استـــضافة إكـــسبو 2020، فهي خبيرة في المعارض والمؤتمرات العالمية، ودائماً ما حصلت الأجنحة التي شاركت فيها على جائزة أفضل جناح في التصميم، الذي كانت تحرص على أن يحاكي على الدوام تراث الإمارات وعراقته، فيما يرفرف علم الإمارات خفاقاً.

وأكدت الدكتورة عائشة البوسميط أننا بحاجة إلى إعادة صياغة لثقافة المعارض، ودورها وأهميتها في استقطاب الزائرين للوطن، مشيرة إلى أن حصة العسيلي كانت من أوائل من آمن بهذه المسألة، وقدم دوراً وطنياً لا يستهان به على مدار العقود الأربعة الماضية.

وأضافت: ما فعلته حــصة العسيلي يدرس، وقد حصلت على المئات من شهـــادات التقدير والأوسمة، وما نحتاجه اليــوم هو الاستفادة من خبرتها والطــاقات المشابهة لها، فشبـــاب اليوم يحــتاج إلى مرشد خبير، أو بوصلة ترشـده إلى الأفضل، فالخبرة لها مكانتها، والعقل البشري تراكم ونتاج تعب ورصيد مسيرة من الإنجازات واحتـــكاك مع ثقافات أخرى.

تعليقات

تعليقات