أوزبكستان.. بلاد الإمام البخاري تستدعي تاريخ الأجداد في رمضان

على مدار تاريخها الطويل، قدّمت جمهورية أوزبكستان مئات العلماء والمفكرين الذين أثروا الحضارة الإسلامية بجهودهم الجليلة في مختلف العلوم الشرعية والفلكية والرياضيات والطب والفلسفة وغيرها، وارتبطت مدن أوزبكستان بالتاريخ الإسلامي منذ بدايته وشهدت نهضة علمية واسعة وارتحل إليها العلماء من كل حدب وصوب لتلقي العلم والمعرفة كسمرقند وطشقند وخوارزم وترمذ وبيروني، وكان من بين هؤلاء العلماء الذين ولدوا في أوزبكستان الإمام البخاري صاحب المصنفات العديدة، وأهمها صحيح البخاري، كما خرج منها الفيلسوف والطبيب الأشهر ابن سينا، والخوارزمي والبيروني والنسائي والزمخشري والترمذي وأبو داوود والقفال الكبير، وغيرهم الكثير.

ترتبط دولة الإمارات العربية المتحدة بروابط صداقة وثيقة وممتدة بجمهورية أوزباكستان، التي تعد من أكبر الدول الإسلامية في وسط آسيا من حيث السكان، ووقّعتا مؤخراً اتفاقيات وبروتوكولات ومذكرات تفاهم وبرامج للتعاون فيما بينهما تهدف إلى تعزيز الشراكات الثنائية والتعاون وفتح آفاق جديدة للعمل المشترك في مختلف القطاعات، كما تضمنت اتفاقية بشأن منح قطعة أرض لإقامة مبنى لسفارة جمهورية أوزبكستان في الدولة وبروتوكول تعاون بشأن الإعفاء المتبادل من الحصول على التأشيرة لمواطني الإمارات وأوزبكستان.

وأكد بختيار بخاديروفيتش إبراهيموف سفير جمهورية أوزبكستان لدى الدولة، أن هناك العديد من الفرص والإمكانات التي تصب في توسيع التعاون والعمل المشترك بين أوزبكستان ودولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة في مختلف مجالات الاستثمار بما يحقق تطلعات البلدين وشعبيهما في التنمية والتقدم.

وأضاف أن دولة الإمارات العربية المتحدة بما تمثله من نموذج واقعي لإحياء قيم التسامح والتعايش السلمي في العالم أصبحت مثالاً يحتذى من خلال جهودها المكثفة لدعم قيم التسامح والتعايش السلمي، مشيراً إلى أن عام التسامح في دولة الإمارات العربية المتحدة جاء للفت الانتباه وإذكاء الوعي العام بأهمية هذه القيمة الإنسانية الفضلى في ترسيخ الأمن والاستقرار والسلام في ربوع العالم.

وأوضح أن «العلاقات بين البلدين تقوم على أسس من الثقة والاحترام والمصالح المتبادلة، إضافة إلى القيم والمبادئ المشتركة التي تجمع البلدين في التسامح والتعايش والتواصل والتعاون».

ويتسم الشعب الأوزبكستاني بالتسامح والنظام الفريد في التعايش بين العرقيات والقوميات المختلفة في توائم وانسجام، فأغلبية الشعب من المسلمين، وهناك أصحاب ديانات أخرى، ولكن الجميع تجمعهم روح المواطنة. وتهتم الدولة بمدينتها مع الالتزام بأنها دولة مسلمة، وقد تشرّب الدستور الأوزبكستاني الذي اعتمد في 8 ديسمبر عام 1992 بالأفكار والمبادئ الأساسية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وتضمن 26 فصلاً و128 مادة تمثل السمات المميزة للجمهورية وتعكس إرادة وروح الشعب الأوزبكستاني، كما يسمح دستور البلاد لكل شخص بالمشاركة الكاملة في المجالات الاقتصادية والسياسية والقانونية والثقافية أياً كان عرقه أو دينه أو انتماؤه.

ويأتي رمضان في أوزبكستان ليذكّر المسلمين بعظمة تاريخهم وحضارتهم وتراثهم، فيهبوا ملبين دعوة أجدادهم العلماء، فتمتلئ المساجد عن آخرها، وليفترشوا الطرقات التي طالما سار عليها أسلافهم لأداء صلاة التراويح، حيث تكتظ المساجد الكبرى بالمصلين مثل مساجد حضرة إمام وكوكشا والحاجة أخرور والي ومينور، ومسجد نمازغاه، وسمرقند وغيرها.

ولا تختلف الطقوس الرمضانية لدى المسلمين في أوزبكستان كثيراً عن بقية الجمهوريات الإسلامية في آسيا فيما يتعلق بممارسة العادات والعبادات والطقوس الرمضانية، فمنذ اليوم الأول من رمضان يبدأ الاستعداد لموائد الإفطار، فيدعون بعضهم البعض لحفلات إفطار جماعية، ويتوافد الضيوف على صاحب الدعوة قبيل المغرب، وقد تصل في بعض الأحيان إلى 100 ضيف، وقد استعد صاحب الدعوة لذلك بذبح عدد من المواشي وتجهيز طاقم خدمة من أهله وأقاربه، ولا يجلسون معهم على الإفطار، بل يقومون بخدمتهم فلا يوضع الطعام دفعة واحدة، بل على عدة مراحل، وعند الانتهاء من الإفطار يقوم صاحب المنزل بإقامة صلاة المغرب، ليبدأ المدعوون بتناول وجبة الإفطار الرئيسية يعقبها تناول الشاي الأسود والأخضر مع المكسرات والفاكهة.

والمائدة الأوزبكية مرتبطة بثقافة الشعب، حيث تشتهر أوزبكستان بزراعة الخضروات والفواكه والحبوب، إلى جانب تربية الماشية في الوديان الخصبة التي كانت مصدر اللحوم في معظم الأطباق، ولذلك يعد المطبخ الأوزبكي واحداً من المأكولات الأكثر شهرة في آسيا الوسطى، من حيث تعدد أسماء أطباق المواد الغذائية الأوزبكية مثل الأرز البخاري والمانتو، والشيشبرك، وغيرها من الأطباق المشهورة برائحتها المميزة وتنوعها، كما أن العديد من المأكولات والوصفات الأوزبكية لها تاريخ يعود إلى عدة قرون، وتتميز المائدة الأوزبكية باستخدام واسع من اللحوم، لحم الضأن، ولحم البقر، ولحم الخيل، وكل منطقة من أوزبكستان لها طريقة خاصة في الطهي، وطبق «البلوف» باللغة الروسية و«أش» باللغة الأوزبكية من أشهر الأطباق في البلاد، وهو عبارة عن الأرز واللحم المتبل، ويتم طهيه على نار هادئة، ومن العادات الأوزبكية خلال شهر رمضان يقوم الأغنياء بذبح خروف أو أكثر وتوزيعه على الأقارب والجيران وتسمى «قربنليك» بالأوزبكية، وتعود بالأساس إلى كلمة قربان بالعربية.

ويحرص المسلمون خلال شهر رمضان الفضيل في أغلب المدن والقرى الأوزبكية على التزاور وصلة الرحم وتقديم الصدقات وتجهيز الموائد على رأس الطرقات للفوز بإفطار صائم، ومن تمام كرم أهل أوزبكستان القيام بالإفطار مع ضيوفهم خارج المنزل، كما تنشط كذلك الجمعيات والهيئات الخيرية الإسلامية في هذا الشهر المبارك، فتقوم بتنفيذ العديد من المشاريع الإغاثية والإنسانية المتمثلة في إفطار الصائم، وكسوة العيد، ومد يد العون والمساعدة للأيتام.

مسجد حضرة الإمام

وتحتضن طشقند 15 متحفاً، ومائتي دار عرض، وأكثر من 300 مسرح، وما يزيد على 3 آلاف مكتبة عامة ومتخصصة، ومنظومة تعليم عالٍ، وبها جامعات احتلت مركزاٍ متقدماٍ جعلها ضمن خمسمائة جامعة متطورة في العالم.

ومن بين ما تحتضنه العاصمة ساحة «حضرة إمام» المليئة بعبق الحضارة الإسلامية، فبعض مباني هذه الساحة يعود إلى القرن السادس عشر الميلادي، بما فيها مسجد حضرة الإمام المركز الديني لطشقند.

معهد البيروني في طشقند

يضم معهد البيروني للمخطوطات في العاصمة الأوزبكية طشقند، أكثر من 26 ألف مخطوطة، و40 ألف نقش مطبوع، وأعيد تجديده وافتتاحه في عام 2017، وهو مزود بأحدث أساليب نسخ وتأمين وحفظ المخطوطات، كما تضم حجرة المخطوطات الثمينة في معهد البيروني أجزاءً من نسخة نادرة للقرآن، يرجع تاريخها لأكثر من 1000 عام، وكذلك نسخة من تفسير الإمام عبد القاهر البغدادي، المتوفى في عام 429 هـ، إضافة لمخطوطات تعود إلى العالم الشهير أبي الريحان البيروني.

العلاقات الإماراتية الأوزبكية

تشير إحصاءات وزارة الاقتصاد إلى أن حجم التبادل التجاري بين الإمارات وأوزبكستان غير النفطي بسجل نمواً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو مليار دولار خلال العام الجاري، فيما حققت الصادرات غير النفطية قفزة كبيرة بوصولها إلى 500 مليون درهم. كما شهدت السياحة الأوزبكية إلى دولة الإمارات العربية المتحدة نمواً نسبياً، حيث سجل عدد نزلاء الفنادق بالدولة من أوزبكستان ارتفاعاً بنسبة بلغت 1.4% في عام 2018 مقارنة بعام 2017 ليصل عددهم إلى 46067 نزيلاً بالفنادق في عام 2018.

السياحة في أوزبكستان

تعدّ دولة أوزبكستان واحدة من الوجهات السياحية المميزة لدى أي شخص يفكر في السفر للسياحة، إذ تعدّ تاريخاً بحدّ ذاته زاخراً بالعلوم والمعارف إلى جانبِ امتلاكها طبيعة خلابة أضفت على المكانة المرموقة جمالاً آخّاذاً، ومن أكثر الفترات ملاءمة للذهاب إليها أشهر أكتوبر وأبريل ومايو وسبتمبر، حيث يكون الجو مثالياً، ويمكن الاستمتاع بالمهرجانات السنوية هناك كمهرجان الحرير والتوابل.

فلاش

تبلغ مساحة أوزبكستان 447 ألف كيلومتر مربع، وسكانها نحو 32 مليون نسمة حسب إحصاء عام 2017 ويقدر عدد المسلمين بنحو 50% من إجمالي السكان تقريباً، واللغة الأوزبكية هي اللغة الرسمية في البلاد، كما يتحدث السكان اللغة الروسية أيضاً، ويحد أوزبكستان من الشمال والغرب كازاخستان ومن الشرق قيرغيزيا وطاجيكستان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات