الصوري.. فنان العلوم السابق عصره

العلم والفن وجهان لعملة واحدة، أو جناحان لطائر هو الإبداع، الفن يستلهم الخيال ويحاكي به الواقع، ليصنع منهما واقعاً جديداً ملموساً، والعلم يقعّد وينظّر، محاولاً الإمساك بروح الإبداع الحرَّة، وحين يجتمع العلم والفن في عمل واحد، يصلان به إلى قمة العبقرية الإنسانية، فيقبضان في لحظة فارقة على حقيقة الشغف الكامن في النفوس، ليتجلى في صورة نابضة بالحياة هي أشبه بالخلود.

عرفت الحضارة الإسلامية مثل هذا التكامل بين العلم والفن، إذ كان رشيد الدين بن أبي الفضل بن علي الصوري، عالم النبات والطب المتوفى سنة 639هـ، يستصحب معه رساماً إلى جبال لبنان وغيرها من المواضع ذات الطبيعة الخلابة، ومعه الألوان والأوراق، ليصوِّر له بفنِّه ما يراه من النباتات والأعشاب بحسب مقدار أوراقها وأغصانها في إبان طلوعها وطراوتها، ثم يذهبان بعد مدة ليصوِّرها له في وقت ذبولها وتيبُّسها، ليعكف الصوري بعد ذلك على هذه الرسوم، محاولاً دراسة مراحل حياة النباتات من البذرة حتى الجفاف، ومسجلاً كل ذلك في مؤلفاته التي تجمع للقارئ شتات المعلومات عن الأدوية المتناثرة في أنحاء الأرض.

اطلاع واسع

وعلى الرغم من أن التاريخ لم يقيِّد لنا شيئاً عن سيرة ذلك الفنان الحاذق أو اسمه، فإنه سرد لنا بعضاً من نشأة الصوري الذي وُلد عام 573هـ في مدينة صور بساحل لبنان، واهتم بتحصيل العلم منذ الصغر، معتمداً على دقة الملاحظة والتوسع في الاطلاع، ورحل إلى دمشق طالباً للعلم على أيدي علماء كبار، مثل: موفق الدين عبد العزيز وعبد اللطيف البغدادي وأبو العباس الجياني.. وغيرهم، ثم انتقل إلى القدس فأقام فيها سنتين، وهناك التقى الملك العادل ورافقه إلى مصر سنة 612هـ، ثم خدم ابنه الملك المعظم ثم الناصر، ليصبح بعدها رئيساً للأطباء، وواحداً من أهم مؤسسي الكيمياء الطبية، ورائداً في التراكيب الدوائية والعقاقير.

«الأدوية المفردة»

عمل الصوري في البيمارستان، وكان له مجلس للطب يتردد إليه جماعة من طلاب العلم، وتميز بالإحاطة بأهم الأدوية المفردة وصفاتها وخواصّها وتأثيراتها، وتحدَّث عنه ابن أبي أصيبعة في كتابه «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، فأشاد بعلمه وفضله، ونظم في مدحه أكثر من قصيدة، وذكر أنه أهدى إليه كتاباً يحتوي على فوائد ووصايا طبية.

ويُعدُّ كتاب «الأدوية المفردة» أهم مؤلفات رشيد الدين الصوري، وصنَّفه في عهد الملك المعظم، واستقصى فيه ذِكْر الأدوية المفردة، كما أورد أسماء أدوية اطلع على معرفتها ومنافعها مما لم يذكره المتقدمون من أهل هذا العلم، واتسم أسلوبه في الكتاب باتباع منهج علمي حديث بالنسبة إلى عصره، حتى قال عنه الباحثون إنه عاش في القرن الثالث عشر الميلادي وفكَّر بمنهجية أهل القرن العشرين، ولذا عُدَّ سابقاً لعصره، ومتقدماً على علماء الغرب في وضع أسس البحث العلمي في مجال علم النبات.

«عميد أطباء دمشق»

وعلى مستوى التطبيق العملي، نجح الصوري في صناعة تراكيب أدوية تمنع امتصاص السم، إلى جانب عدد من التراكيب المبتكرة التي لم يسبقه إليها أحد، مما دفع أهل زمانه إلى الإعجاب به وببراعته العلمية، فلقبوه بـ«عميد أطباء دمشق»، إضافة إلى اتصافه بأخلاق طيبة، من أبرزها الإخلاص وابتغاء وجه الله تعالى بعمله، وكان له دور في خدمة المرضى وتطبيبهم في زمن الحروب الصليبية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات