الإصطخري.. رحالة شغفته ثقافات العالم وجغرافياته

الإصطخري

يحفل تاريخنا العريق بأعلام بارزين أسهموا في بناء صرح الحضارة الإسلامية، وكانوا وما زالوا نجوماً مشرقة في سماء العلم، نذروا أنفسهم لخدمة البشرية كافة، وقدَّموا جهوداً مشرِّفة في مجالات شتى، منها الطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك، وغيرها من العلوم الإنسانية، وأثَّرت جهودهم في النهضة الأوروبية تأثيراً اعترف به الأوروبيون أنفسهم.

وخلال شهر رمضان المبارك، تحيي «البيان» ذكرى هؤلاء العلماء، وترحل مع القارئ في عوالمهم الفسيحة، كاشفةً اللثام عن إنجازاتهم التي شكَّلت حلقة في مسيرة التطور، والتي قد اعترى بعضَها النسيان والظلم التاريخي أحياناً.

القراءة نافذة على عالم متلألئ بنور المعرفة، منفتح على حرية الفكر، حافل بصنوف الرؤى المزهرة التي يجنيها القارئ من كل سطر يرتحل في مداه، فإذا كانت قراءةً ناقدةً، يعمد فيها القارئ إلى التحليل، من دون أن يدع الأفكار تتفلت من بين يديه إلا بعدما يذوق حلاوتها، ويستولد منها أفكاراً أخرى، فهي حينها سَفر إلى حياة جديدة.

منذ بدايات النشأة الأولى، كان الرحَّالة المسلم إبراهيم بن محمد الفارسي، المشهور بـ«الإصطخري»، المتوفى سنة 346هـ، مولعاً بقراءة الكتب التي خلَّفها أسلافه من علماء العرب والمسلمين في علم الجغرافيا، معتنياً بفهم أصول المنهج العلمي التجريبي الذي اتكؤوا عليه من خلال القياس والاستقراء والمشاهدة والتمثيل، ما أكسبه ملَكة للكتابة في هذا المجال،.

فطبَّق ما استفاده في مؤلفاته التي اتسمت بالوضوح وسلاسة الأسلوب، أهمها كتابه «مسالك الممالك» الذي وضعه بعد رحلات ساح بها في بلاد العالم الإسلامي، الذي يُعدُّ رائداً في منهجه ومعلوماته وتبويبه للكتب الجغرافية التي أُلِّفت بعده، كما يحتوي على معلومات تاريخية ضرورية للدارسين، غطت نواحي سياسية واقتصادية واجتماعية.

أقاليم الأرض

يقول أبو إسحاق الإصطخري، الذي ينتمي إلى إصطخر: «ذكرت في كتابي هذا أقاليم الأرض، وقصدت منها بلاد الإسلام، وتفصيل مدنها وتقسيم ما يعود بالأعمال المجموعة إليها، ولم أقصد الأقاليم السبعة التي عليها قسمة الأرض، بل جعلت كل قطعة مفردة مصورة، ثم ذكرت ما يحيط بها من الأماكن.

وما في أصقاعها من المدن والبقاع المشهورة». ويؤكد أن الغرض من كتابه تصوير الأقاليم التي لم يذكرها أحد من قبله، بعيداً عن النظريات التقليدية التي تنص على تقسيم الأرض إلى سبعة أقاليم، ويتناول كل إقليم بذاته على أنه وحدة جغرافية مستقلة.

وبناءً على المنهج الذي رسمه لنفسه، نجح الإصطخري في اكتشاف ثلاث مناطق لم تكن معروفة في زمنه على وجه اليقين، هي منطقة نهر الفولغا، وأجزاء من شمال أوروبا وأفريقيا، إضافة إلى مواقع أخرى كجزيرة مدغشقر، ومنطقة وسط آسيا وجنوبها.

جرأة

ومن القضايا الطبيعية التي أولاها الإصطخري عناية خاصة المد والجزر، فقد امتازت نظرياته في هذا الجانب، الذي عُرف بين العلماء القدماء بـ«علم الأنواء»، بالكثير من الجرأة غير المسبوقة، كذلك ركز على المقارنة بين المدن، وتصحيح الأخطاء الجغرافية التي وقع فيها من سبقوه، مع إنصافه لهم والاعتراف بمكانتهم العلمية،.

والإشارة إلى من استفاد من إسهاماتهم، كالبلخي الذي صرَّح الإصطخري بأنه اعتمد على كتابه مصدراً أساسياً، وابن حوقل الذي التقاه وطلب منه الإصطخري أن يراجع له كتابه وينقحه.

ولم يكتف الإصطخري في عمله بالوصف النظري الذي وفَّاه حقه، بل لجأ إلى رسم الخرائط الجغرافية التي تزخر بها مؤلفاته جميعاً، كما في كتابه «صور الأقاليم»، متخذاً منها وسيلة للشرح وإبراز أفكاره على نحو تتم به الفائدة، ويُشبع نهم النابهين من طلابه والمطلعين على كتاباته.

وهو الأمر الذي حاز إعجاب كثير من المستشرقين الذين اعترفوا بدقة عمله وبراعته، منهم المستشرق دي خويه الذي اعتنى بـ«مسالك الممالك» ونشره في هولندا.

كل هذه الجهود العظيمة توَّجها الإصطخري بما حكاه عنه المؤرخون من صفات حميدة، كالصدق والمثابرة والأمانة العلمية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات