ابن البيطار رئيس النباتيين ومؤسس علم الصيدلة

في أحضان الطبيعة الساحرة بالأندلس، جلس الفتى يتأمل الأشجار والأزهار، وانطلق متجولاً في الغابة، حيث اعتاد أن يُمضي وقته، وأخذ يرسم النباتات التي استولى عليه الفضول بأن يعرف كل شيء عنها، وعلى الرغم من إلمامه بالبيطرة، حرفة والده، فإنه لم يهتم بها بقدر ولعه بهوايته التي أوحت إليه علماً جديداً، قرأه في أوراق النباتات قبل أن يقرأه في أوراق الكتب.

ربما لم يَدُرْ بخَلَد عبد الله بن أحمد المالقي، المعروف بـ«ابن البَيْطار»، المتوفى سنة 646هـ، أن تكون هوايته تلك بوابةً لأن يُخلِّد سيرته في تاريخ العلم، بصفته إمام النباتيين وعلماء الأعشاب ومؤسس علم الصيدلة، وقد يكون هذا المستقبل الذي آل إليه تشكَّل حلماً في مخيلته حينما عزم الرحيل عن مسقط رأسه في مالقة، مسافراً إلى بلاد اليونان والمغرب والشام، فاجتمع ببعض المهتمين بعلم التاريخ الطبيعي، منهم ابن الروميَّة وعبد الله بن صالح وأبو الحجاج، واستفاد من معرفتهم النباتية، كما اطلع على كتب العلماء السابقين من العرب وغير العرب، ووعى ما فيها بفهم جيد وذاكرة قوية، إضافة إلى جمعه النباتات وعكوفه على دراستها دراسةً علمية، فذاع صيته، وعيَّنه الكامل الأيوبي رئيس العشَّابين في الديار المصرية.

وتتجلَّى إسهامات ابن البيطار العلمية في نواحٍ عديدة ومختلفة، فقد أدى دوراً أساسياً في تطوُّر علم النبات الذي يُحتاج إليه في الطب والصيدلة والفلاحة، ومن مظاهر ذلك أنه استخدم بذور نبات الخلة مع ضوء الشمس في علاج البهاق، فكان رائداً للعلاج الضوئي الكيميائي، وأسهم في استقرار المصطلح الطبي العربي، وكان حُجَّةً في معرفة أنواع النبات، وتميز بعبقرية فذة، وإيمان بضرورة التجربة والملاحظة، وقدرة بارعة على الاستنباط والاستنتاج.

قاموس موسوعي

أثرى ابن البيطار المكتبة العلمية بالكثير من المصنَّفات، التي ظهر فيها أسلوبه المتميز وأمانته العلمية واعتماده على التجربة، منها: «المغني في الأدوية المفردة»، «ميزان الطبيب»، «الإبانة والإعلام، بما في المنهاج من الخلل والأوهام»، غير أن «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية» يُعدُّ بحق قاموساً موسوعياً شاملاً، وهو كتاب ألَّفه في آخر حياته، وضمَّنه خلاصة ما عرفه القدماء والمعاصرون له، وتناول فيه 1400 دواء من أصول حيوانية ونباتية ومعدنية، انفرد فيها بـ500 دواء كان له الفضل في اكتشافها، وتُرجم الكتاب إلى اللاتينية والفرنسية والألمانية، وأصبح مرجعاً مهماً لدى الأوروبيين، ووصفه الصيدلي البلجيكي جورج سارتون بأنه خير ما أُلِّف في هذا الموضوع في القرون الوسطى، بينما قال عنه الطبيب الألماني ماكس مايرهوف إنه أعظم كتاب عربي خُلِّد في علم النبات.

كريم النفس والخلق

كذلك كان لابن البيطار تلاميذ استفادوا من علمه وأخذوا عنه، أهمهم أحمد بن القاسم بن أبي أصيبعة، وإبراهيم بن محمد السويدي الدمشقي، وداود بن عمر الأنطاكي.

ولأن العلم لا يستقر إلا في النفوس الطيبة، فقد اتَّصف ابن البيطار بأخلاق سامية ومروءة كاملة وكرم نفس، واتسم بمميزات اكتسبها من بيئته الأندلسية التي تفوح جمالاً ورقَّةً، فكان ذكياً سريع البديهة متواضعاً، واتسم بالجرأة على النقد والموضوعية، وهي مناقب توَّجت مكانته العلمية، التي جعلت المنصفين يعترفون بعظمة الحضارة العربية الإسلامية، وريادة العرب والمسلمين في مجال الصيدلة، حتى قالت المستشرقة الألمانية سيغريد هونكه: «كل صيدلية ومستودع أدوية في أيامنا هذه، إنما هي في حقيقة الأمر نصب تذكاري للعبقرية العربية».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات