الإدريسي ...عبقري جغرافي رسم أول خريطة للعالم

يحفل تاريخنا العريق بأعلام بارزين أسهموا في بناء صرح الحضارة الإسلامية، وكانوا وما زالوا نجوماً مشرقة في سماء العلم، نذروا أنفسهم لخدمة البشرية كافة، وقدَّموا جهوداً مشرِّفة في مجالات شتى، منها الطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك، وغيرها من العلوم الإنسانية، وأثَّرت جهودهم في النهضة الأوروبية تأثيراً اعترف به الأوروبيون أنفسهم.

وخلال شهر رمضان المبارك، تحيي «البيان» ذكرى هؤلاء العلماء، وترحل مع القارئ في عوالمهم الفسيحة، كاشفةً اللثام عن إنجازاتهم التي شكَّلت حلقة في مسيرة التطور، والتي قد اعترى بعضَها النسيان والظلم التاريخي أحياناً.

يا له من شعور حافل بالوحدة والغربة والضياع، حين تعيش في عالم مترامي الأطراف، يمتلئ بالبحار والقفار والجبال، ويكتظ بأجناس شتى من البشر، يحيا كل فرد منهم لا يرى سوى نفسه وعشيرته، ويتوهم أن الكون كله هو البقعة الضئيلة من اليابسة التي يسكنها، حينها تتشوَّف إلى اكتشاف حقيقة هذه الدنيا الواسعة، وتتمنى أن تُطوى لك الأرض لتطلع على صورتها الكاملة.

لعل هذا الشعورُ الذي انتاب روجر الثاني ملك صقلية في القرن السادس الهجري، عندما اتسع سلطانه، فأراد أن يعرف كيفية بلاده، ويعلم أشكالها وحدودها ومساكنها براً وبحراً، فطلب إلى محمد بن محمد الإدريسي (493-560هـ) أن يؤلف له كتاباً يصف فيه الأقاليم السبعة وبحارها وبلدانها وجبالها وأنهارها.

فوضع له كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» الذي أصبح للجغرافيين من بعده المصدر الأصيل الذي ينهلون منه، وأرفق به خريطة صارت للرسامين الدستور المتَّبع في رسم الخرائط.

متعة الاكتشافات

ينتسب الشريف الإدريسي إلى الأسرة الإدريسية التي حكمت مالقة، التي يرجع نسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وُلد في سبتة بالمغرب العربي، ثم رحل إلى قرطبة لطلب العلم في جامعتها، وهناك اهتم بدراسة التاريخ والجغرافيا، إلى جانب إحاطته بقدر كبير من المعرفة بعلوم الحساب والهندسة والفلك والطب، ثم أخذ يطوِّف في البلاد شرقاً وغرباً، حتى استقر به المقام في صقلية، حيث أدرك مَلكُها فضله وأكرمه رغبةً في الاستفادة من علمه.

وكان الاستكشاف الجغرافي بالنسبة إلى الإدريسي متعة يسوقه إليها شغفه، فقد اشتهر بولعه بالبحار، وحين كان ميناء سبتة في ذلك العصر يشهد نشاطاً تجارياً واضحاً، جذب الإدريسيَّ مرأى السفن وهي تبحر وترسو، ولما سنحت له الفرصة حقق حلمه بالسفر إلى بلاد عديدة.

400

ويحكي الإدريسي في مقدمة كتابه أن الملك روجر أمر أن يُفرَغ له من الفضة الخالصة دائرة عظيمة تزن 400 رطل رومي، لتُنقش عليها صورة الأقاليم السبعة ببلادها وأطوالها وأقطارها، وخلجانها وبحارها ومجاري مياهها ومواقع أنهارها، وما بين كل بلد وغيره من الطرقات والأميال والمسافات.

وعُرفت هذه الدائرة بـ«لوح الترسيم»، وتخيَّلها بعض الباحثين في صورة كرة أرضية، ثم جاء دور الإدريسي بأن يؤلف كتابه واصفاً الكرة الفضية، وناقلاً ما فيها من معلومات بدقة عالية، فرسم خريطة العالم التي اعتمد عليها فيما بعد الألماني كونراد ميلر في الخريطة الملونة التي نشرها عام 1931م.

عمق وتنوع

اتسم المنهج الذي سار عليه الإدريسي في جمع المعلومات الجغرافية بتنوع مصادر المادة العلمية، فهو تارةً يعتني بقراءة كتابات العلماء السابقين مثل بطليموس والخوارزمي والمسعودي، .

وتارةً أخرى يستقي معلوماته من الملاحظة الشخصية ورحلاته إلى البلدان التي زارها، وبينما يحرص حيناً على مقابلة بعض الرحَّالة والتجار ويسمع منهم مباشرةً، يعتمد في حين آخر على تقارير الرسل والبعثات الاستكشافية.

ومن خلال هذا المنهج العلمي المنفتح، حقق الإدريسي الكثير من الإسهامات الجديرة بالاهتمام، فقد حدَّد مصدر نهر النيل. ومن كتب الإدريسي الأخرى: «روض الأنس ونزهة النفس»، «الجامع لصفات أشتات النبات»، «أنس المهج وروض الفرج».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات