أبناؤه يواصلون السير على الدرب

أوقاف عمير بن يوسف تبعث الحياة في مشاريع خيرية داخل وخارج الإمارات

ابن عمير 4

على صفحة العطاء تركوا بصماتهم.. موقنين أن الخير مفتاح الذكر الحسن وإكسير الخلود، معاهدين الحياة ألا يتركوها كما جاؤوا إليها، ويسابقون الزمان بحثاً عن أبواب خير يطرقونها.. في هذه الصفحة اليومية وطوال الشهر الفضيل نتفيأ ظلال الخير في أصحاب البصمات العطرة في دولة الإمارات.

مضت ستة عشر عاما على وفاة رجل الخير والبر والإحسان الإماراتي عمير بن يوسف إلا أن أوقاف مشاريعه الخيرية مازالت تحيي اسم هذا الرجل وتشهد على استمرار أعماله الخيرية خاصة بعد أن تعهد أبناؤه الثلاثة عشر هذه الأوقاف وتوسعوا فيها، وساروا على نهج والدهم في عمل الخير والبر.

وعلى الرغم أن عمير بن يوسف (1919-2001) عاش أمياً على مدار عمره المديد إلا أن فكرة الوقف الإسلامي تغلغلت في وجدانه ونفذها داخل وخارج الدولة ليساعد بها طالب علم فقير أو يتيم جائع مسكين أو متلهف على أداء فريضة الحج.

قراء

في منطقة السوق المركزي بأبوظبي يتردد آلاف المصلين منذ سنوات طويلة على مسجد عمير للصلاة، ويكتظ المسجد بالمصلين خلال شهر رمضان حيث يؤم المصلين قراء موريتانيون ومغاربة يمتازون بروعة الأداء وعذوبة الصوت يقرأون القرآن على رواية ورش ويدعون لصاحب المسجد بالرحمة والمغفرة.

ولايعرف الكثير من المصلين أن تواجد هؤلاء القراء يرجع إلى العلاقات الوثيقة بين عمير بن يوسف وعلماء موريتانيا على مدار أكثر من ربع قرن.

وشهد مسجد عمير خلال السنوات الماضية توسعات، كما ازداد نظافة وجمالاً، وما كان لهذا المسجد أن يكون ببهائه الراهن الذي يجذب آلاف المصلين إلا بفضل الوقف الذي أوقفه له صاحبه منذ أكثر من ربع قرن حيث خصص قيمة الإيجار السنوي للدكاكين الملحقة بالمسجد للإنفاق على المسجد واحتياجاته.

ويضم وقف المسجد كما يقول عبد الله بن عمير أصغر أبناء عمير بن يوسف 6 محلات و4 وحدات سكنية تتكون كل وحدة من غرفة وصالة، وتقع جميعها في منطقة سكنية متميزة تتميز بإيجاراتها المرتفعة.

ويؤكد عبد الله أن أخوته تعهدوا على مدار أكثر من 15 سنة وقف أبيهم وخصصوا إيراداته لرعاية المسجد إضافة إلي زيادة أعداد المساجد التي تحول إسم والدهم في أبوظبي حيث يصل عددها حاليا إلى 4 مساجد إضافة إلى مسجد خامس قيد الإنشاء، ويقول: لدينا وقف لهذه المساجد للإنفاق عليها تخليداً لذكرى والدنا الحبيب وتقرباً إلى الله ليغفر له ويتقبل أعماله.

فكرة الوقف الإسلامي هي مفتاح شخصية عمير بن يوسف، فقد سخر رحمه الله ماوهبه الله من مال في عمل الخير، ونجح في بناء مدارس ومساجد ودور أيتام وحفر آبار وكفالة معلمين وطلبة علم ومدارس لتحفيظ القرآن خارج الإمارات خاصة في الهند وموريتانيا وباكستان ومصر والمغرب وفلسطين ولبنان وأفغانستان.

وحرص على أن تكون غالبية أعماله الخيرية بينه وبين الله لاتعلم يمينه ما أنفقت شماله إلا أن المقربين له الذين عاشروه لسنوات طويلة كما يقول إبنه عبد الله كتبوا عن بعض أعماله الخيرية التي يتابعها ويعهدها أبناءه حالياً.

ولدى أبناء عمير بن يوسف كتاب توثيقي تحت الطباعة يروي حياة عمير وأعماله الخيرية بالتركيز على فكرة الوقف الإسلامي، ويرصد الكتاب واقعة تكشف مدى تغلغل فكرة الوقف الإسلامي لديه.

حيث جاءه أحد الدعاة الهنود يبحث عن مساعدة لبناء دار للأيتام وإنشاء مدرسة أو كلية لطلبة الهند الفقراء، وبالفعل وافق عمير بن يوسف على بناء دار للأيتام تضم مابين 300 إلى 400 يتيم إضافة إلى مدرسة بتكلفة بلغت حينذاك 5 ملايين روبية أي مايعادل مليون درهم.

وكان مبلغاً كبيراً جداً في هذا الزمان، وعندما زار عمير المدرسة ودار الأيتام في الهند برفقة رجل الخير الإماراتي سعيد بن أحمد العتيبة قال للداعية الهندي اشتر لي وقفاً لهذه الدار والمدرسة، وبالفعل تم شراء بناية بجوار مطار كالكوت الهندي تضم فندقاً به سكن ومطعم ومحلات تجارية تدر دخلاً شهرياً يصل إلى مائة ألف روبية.

وبعد سنوات زار الداعية الهندي عمير بن يوسف في أبوظبي وعرض عليه مشروعاً لتوسعة دار الأيتام والمدرسة فوافق على الفور ودفع له خمسة ملايين روبية أخرى، وطلب منه أن يبحث عن محل تجاري ليكون وقفاً للتوسعات الجديدة، وسافر الداعية الهندي ووجد المطلوب إلا أنه عندما عاد لأبوظبي وجد عميراً قد انتقل إلى الرفيق الأعلى.

تأثر

يؤكد عبد الله بن عمير أن أبناء عمير الثلاثة عشر تأثروا كثيراً بأعماله الخيرية، ويتابعوا الأوقاف التي أنشأها حسب إستطاعتهم داخل وخارج الدولة، كما يقوم الأبناء بتحمل نفقات الحج للمواطنين والمقيمين الراغبين في حج بيت الله الحرام، أسوة بأبيهم.

ويروي عبد الله بن عمير أن والده كان يسافر للحج سنويا بطائرة كبيرة يحمل فيها عدداً كبيراً من الحجاج مجاناً وكان يتكفل بنفقتهم الشخصية في الأراضي المقدسة وظل هكذا لسنوات طويلة.

وكنت وأنا ما زلت طفلاً صغيراً أسافر مع والدي فأراه يتعهد كل حاج في البناية السكنية التي حملت اسمه بجوار الحرم ويوفر لهم كل حاجاتهم وذات مرة طلب منه معالي أحمد خليفة السويدي أن يستقبل حجاجاً من الإمارات لم يجدوا سكناً فقام على الفور بتسكين أسرتنا كلها في غرفة واحدة وأخلى طابقاً كاملاً من طوابق البناية الأربعة.

ولم يكن يقضي معنا وقتاً كافياً أثناء الحج بل كان جل وقته مخصصاً لخدمة الحجاج.

ويشير عبد الله إلى أن المعاصرين لوالده يرون أنه أوقف وقفيات كثيرة في العديد من بلاد العرب والمسلمين للفقراء وطلبة العلم منها أنه أوقف بيوتاً كثيرة في المدينة المنورة وجعلها لفقراء الشناقطة الموريتانيين ولايزال يسكن فيها فقراء موريتانيا حتى اليوم.

وكان يوزع زكواته على فقراء مكة بنفسه، ويمشي عدة كيلو مترات على قدمه بحثاً عن المساكين ليوزع عليهم المال بيديه ويثابر على ذلك وكان صبوراً يتحمل عناء ذلك بنفس راضية، وفي إحدى المرات تجمع حوله الفقراء والمساكين بأعداد كبيرة في مكة للفوز بصداقته، ومع التجمع الكبير فإن هؤلاء الفقراء والمساكين خدشوه بأظافرهم حتى أدميت يديه وتلطخ ثوبه بالدم، وعندما حاول رفقاؤه إبعادهم عنه نهاهم عن ذلك وقال لهم هؤلاء مساكين وفقراء وكان حنوناً عليهم.

ميزات

وتميز عمير بن يوسف بمساعدته الكثيرة لطلبة العلم الشرعي خاصة طلاب الأزهر، ومما يروي عنه كما يذكر ابنه عبد الله أنه في عام 1986 كانت هناك مجاعة كبيرة وفقر شديد في عدد من الدول الأفريقية ووردت له رسائل من طلبة من غينيا وغانا وبيساو يدرسون في الأزهر وضاقت بهم سبل العيش.

حيث لم يعد أهلهم يبعثون لهم مصاريف شهرية أو ربع سنوية، وكتب هؤلاء الطلبة رسائل لعمير بن يوسف بعد أن سمعوا كثيراً عن أعماله الخيرية وأرسلوها له عبر سفارة الإمارات في القاهرة، وعندما وصلت الرسائل له وتأكد من صحتها أرسل لكل طالب شيكاً بقيمة 500 دولار بمبلغ إجمالي 16 ألف دولار وأرسلها للطلبة بالبريد المسجل على عنوان كل طالب.

ويختتم عبد الله بن عمير مؤكداً على أن أعمال والده الخيرية لاتحصى ولاتعد وغالبيتها أخفاها عن الجميع لكن أهمها الوقفيات التي أوقفها ومازالت حتى اليوم تبعث بالحياة في مشاريع خيرية متميزة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات