محظوظة لأنها من جيل عاصر كل مراحل التعليم

خلود المنصوري: تعلمنا من زايد كيـــــف نكون سفراء لدولة تسكن فينا

ت + ت - الحجم الطبيعي

منارات شامخة في حاضر الدولة، وقناديل مضيئة أمام الأجيال.. رجال ونساء تركوا بصماتهم العطرة سيرة كفاح ورحلة نجاح، لم يعرفوا اليأس يوم أن كانت ذات اليد قليلة، ولم يعرفوا الغرور يوم أن أضحت نسائم النجاح عليلة.. في جعبة كل واحد منهم آلاف الذكريات، وفي كلماتهم آلاف العبر.. نقف كل يوم عند محطة جليلة لقامة إماراتية كبيرة.

تجد راحتها في الجلوس أعلى قمم الجبال لتشاهد الأشياء بمنظور آخر يختزل بين ثناياه هذا الأفق المتسع الذي يستشعر المرء فيه عظمة الخالق وتناهي ما سواه، لكل الأيام ذكرياتها التي حفرتها السنين في ذاكرتها، خاصة شهر رمضان الفضيل، الذي ارتبط لدى الجميع بذكرياته الفريدة التي تجمع بين العبادة الخالصة والحرص على التواصل مع جميع أفراد الأسرة والأصدقاء.

الدكتورة خلود يوسف بن غريب المنصوري، ترى أن رمضان مدرسة عبادات شاملة تجتمع على مائدتها الألفة والسكينة والتواصل بين الناس كونها جزءاً من العبادة الشاملة التي تميز هذا الشهر الفضيل عن سائر أشهر العام.

فقد تربيت على أنه شهر العبادة منذ طفولتي، حيث علمني والدي، رحمه الله، أهمية الصوم في عمر 7 سنوات، فقد كان يحملني من فراشي إلى مائدة السحور لما فيه من بركة، وقد كان حريصاً على عدم تضييع الوقت والانشغال باللهو ومشاهدة التلفزيون، ثم التفريط في العبادة في أيام الشهر المباركة.

ومن أجمل ما أحمل من ذكريات لهذا الشهر الكريم هو حرص الأهالي خلال أيامه على تبادل مختلف أطباق الطعام مع الجيران، حيث كان الوالد مصراً على قيامنا بهذا السلوك بأنفسنا احتراماً للجيران وغرساً لقيم التواصل والتواد معهم.

إنجازات رمضانية

تقول المنصوري: لم تقتصر ذكريات شهر رمضان على الماضي الجميل، فقد شهد معظم إنجازاتي بحصولي على الشهادة الجامعية ثم على الماجستير، والدكتوراه، فهو شهر العمل وتحقيق الإنجازات لا الكسل والخمول كما يراه البعض، ومن المواقف التي لا تنسى في هذا الشأن عندما كنت مديرة لبرنامج اللغات، وبدأ الطلبة يتغيبون كثيراً خلال الشهر الفضيل..

وجاءني أحد المعلمين من الجنسية الأجنبية ليسألني عن جدوى الدراسة في رمضان مع عدم حضور الطلبة، وهل للصيام تأثير عليهم، وقد طلبت الاجتماع بجميع الطلاب..

وتحدثت معهم عن الشهر الفضيل وعن صورة المسلم أمام الآخرين، وضرورة أن يكون هذا الشهر حافزاً لهم على العطاء وبذل المزيد من الجهد، ثم تغيير تلك الصورة السلبية التي بدأت تنطبع في ذهنية البعض عن حالة الخمول التي تصيب مجتمعاتنا في رمضان، وبعدها حرص الطلاب على الحضور حتى آخر الشهر.

وتضيف: أتمنى أن نترك بعض العادات السيئة والدخيلة على مجتمعنا المحلي والتي باتت قرينة بهذا الشهر الفضيل مثل إقامة الخيام للسهر والتدخين وحالة التبذير والإسراف التي تنتاب بعض الأسر خلال هذا الشهر.

المحظوظة

تقول المنصوري: أعتبر نفسي محظوظة لأنني من الجيل الذي عاصر كل مراحل تطور التعليم في الدولة، حيث كانت بداية التعليم في السابق عن طريق المطاوعة، ثم عن طريق المدارس التي أقامتها دولة الكويت الشقيقة، حيث درست في مدرسة المعيريض المختلطة حتى الصف الرابع، وفي الصف الخامس انتقلت إلى مدرسة المعيريض للبنات بعد بنائها بالقرب من مدرسة البنين..

حيث تم فصل البنات عن البنين، ودرست فيها المرحلة المتوسطة 4 سنوات، وكانت نهايتها امتحاناً عاماً على مستوى كل مدارس دولة الكويت، ونجحت في الشهادة المتوسطة..

وكان أبي يرفض توقيع شهادتي إن نقص مجموع درجاتي درجة واحدة، بعدها انتقلت لمدرسة الصباحية للبنات للتعليم الثانوي في مدينة رأس الخيمة القديمة، حيث كنت أذهب بالحافلة التي كانت تمر على الطالبات في رحلة طويلة حتى الوصول للمدرسة.

وتضيف: ونحن في الصف الأول ثانوي بدأت فترة جديدة من حياتنا ومرحلة جديدة لدولتنا حيث أعلن قيام الاتحاد، ليتم تغيير نظام التعليم، ولحبي للأدب والسياسية واللغات التحقت بالقسم الأدبي لتحقيق طموحي باستكمال تعليمي العالي خارج الدولة، حيث لم تكن الجامعات قد أنشئت وقتها. وحصلت على بعثة لدراسة اللغة الإنجليزية في جامعة الكويت..

ولكنني لم أكمل التعليم، فقد تزوجت، وعملت بالثانوية العامة مدرسة لمدة عامين، وظلت أحلام الالتحاق بالجامعة تراودني حتى افتتاح جامعة الإمارات عام 1976 ..

حيث رأيت فيها تحقيقاً لأحلامي وسارعت للالتحاق بها، وتخصصت في اللغة الإنجليزية وآدابها، وعملت مدرسة بعد التخرج، وبمرور 10 سنوات من العمل أكملت دراستي العليا لأنال 3 شهادات متواصلة "الدبلوم العليا في تدريس وإدارة اللغة الإنجليزية، وماجستير تدريس اللغة الإنجليزية، ودكتوراه في طرق تدريس اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية من المملكة المتحدة عام 2002"..

وبحصولي على الدكتوراه لم ينتهِ حبي لطلب العلم، فلم أتوقف يوماً عن حضور الدورات التدريبية في مختلف المجالات وعلى حسابي الخاص، وذلك لصقل قدراتي وتطوير ذاتي مهنياً وشخصياً، فأنا أؤمن بالعلم من المهد إلى اللحد.

حياتي الأسرية

تقول المنصوري: ترتيبي الرابع بين 9 أشقاء وشقيقات، والدي يوسف بن غريب المنصوري تعلمت منه قوة الشخصية والقدرة على تحمل المسؤولية وإثبات الذات، فقد عشت طفولة جميلة بمعنى الكلمة، تعلمت خلالها الكثير من المهارات مثل حفظ القرآن والأحاديث والشعر إضافة إلى تعلم الطبخ والحياكة والتطريز والأعمال الفنية..

ولم أترك الرياضة حيث مارست رياضة الجمباز والكرة الطائرة والطاولة والعزف على الأكرديون، وتوليت القيادة في المرشدات، وتعلمت الطباعة على الآلة الكاتبة، فأنا أول شخص من جيلي أجاد استخدام الحاسوب والإنترنت منذ عام 1994 لعلمي بأهميته المستقبلية، فأنا أشعر بغيرة عند إحساسي بأن شيئاً ما لا أجيد استخدامه فيما هو سهل لدى الآخرين..

وقد كان والدي هو أول إماراتي تخرج من مدرسة عام 1932، مدرسة الهداية الخليفية بالبحرين، حيث أرسله أبوه للتعلم هناك، وقد حرص الوالد على توفير كل وسائل الحياة الراقية وقد ربانا على الحزم والانضباط وتحمل المسؤولية، والعقاب بكل أنواعه، والحفاظ على الموروث والعادات.

حكمة القيادة

لا أنسى وصية الوالد المؤسس المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد، خلال أحد لقاءاتي معه في المملكة المتحدة، عندما قال لنا: "أنتم سمعة الإمارات فكونوا حاملين لهذه السمعة فأنا أتمناكم الأفضل"، وكانت كلماته هي المحفز الدائم لنا بأن نكون خير سفراء لهذا الوطن، وكذلك صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، خلال لقائي معه كان حريصاً أن تكون بنت الإمارات الأكاديمية الموجودة في التعليم العالي تخدم وطنها بكل اقتدار.

وتتابع: كلماته كانت تحثنا على المثابرة في البحث العلمي الذي يعد وقوداً لشعلة العمل الأكاديمي، كما أذكر توجيهات المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي، الذي كان حريصاً على تعليم جميع أبناء رأس الخيمة؛ إناثاً وذكوراً، حيث كان يشجعنا على المذاكرة والنهل من العلم والاستمرار في الدراسة، وكان يقول لي: "أنت ذكية وسيكون لك شأن عندما تكبرين"، وأعتقد أن كلماته كان لها أثر في بناء شخصيتي منذ الصغر.

الحياة العملية

تقول المنصوري: بدأت حياتي العملية وعمري 19 سنة معلمةً، وهي مهنة جليلة درست خلالها كل المراحل من الروضة إلى المرحلة الجامعية، في عدة مدارس وجامعات بإمارات الدولة.

وتضيف: العلماء لا يستطيعون التوقف عن العطاء، ولا يوجد سن لتقاعدهم، فالعلم لا حدود ولا نهاية له، حيث تكمن سعادتي في العطاء، وأنا لا أقيس أجر المعلم براتب شهري بل بما يقدمه من علم نافع لا ينقطع بعد الممات.

تكمن سعادتي في حوار العقول بين جدران فصل دراسي أو محفل علم، في الحياة الأكاديمية الجميلة بتنوعها وشخوصها وأدوارها، التي تسهم في خدمة وطني الذي لم يبخل علينا بأي شيء ومن واجبي أن أخدمه ما حييت بشتى الوسائل حتى وإن كان عملاً تطوعياً.

هوايات

الكتاب صديقي سواء الورقي أو الإلكتروني، فأنا لا أكتفي بالقراءة لمجرد المعرفة وإنما للفهم والتحليل.

أسفاري لطلب العلم، وأجد في المؤتمرات متعة واستجماماً للروح والعقل والتلاقي مع خبرات متنوعة، ولم أعد أحب الأسفار الطويلة أو البعد عن الوطن.

أحب الطبيعة والأماكن العالية التي تشعرني بعظمة الخالق، ولا أحب البحر فرطوبته ورائحته وصوت أمواجه تزعجني، وأكره غموضه.

أحب الشعر وأتذوقه، وأحرص على متابعة دواوينه وأمسياته، وأغبط الشعراء لمقدرتهم على تحويل مشاعرنا وردات أفعالنا إلى أبيات تحمل كل المعاني بموسيقى شعرية راقية.

أكره البحر وغموضه وأحب المناطق الجبلية لأفقها الرحب

رمضان يفوح بذكريات الشهادات الجامعية والماجستير والدكتوراه

أشعر بالغيرة عند إحساسي بأن شيئاً ما لا أجيد استخدامه فيما هو سهل

لدى الآخرين إقامة الخيام للسهر والتدخين عادات دخيلة على مجتمعاتنا

كان أبي يرفض توقيع شهادتي إن نقص مجموع درجاتي درجة واحدة

 

طباعة Email