أمينة المزروعي.. تفاؤل الحياة يضيء مهنة «مكرمي الموتى»

«مكرمو الموتى» أو مغسلو الموتى كما يطلق عليهم العامة، يتحملون الكثير من التأثيرات النفسية، في ظل هذه المهنة، التي تلقي بظلالها على ممارسيها بالتأكيد، أمينة المزروعي لم تعتم ظلمة التعامل مع الأموات نظرتها المتفائلة للحياة، ولم تزدها السنوات الاثنتا عشرة التي قضتها في تغسيلهم إلا يقيناً بأهمية الإيمان بالله، ورجاء حسن الخاتمة.

المزروعي تعتز بهذا العمل الذي يحقق خدمة الناس والأجر والثواب من الله تعالى، فتقول: «لو لم يحبني الله لما اختارني في هذا المكان»، إلا أن الصورة التي ينقلها الإعلام من خلال الأفلام والمسلسلات تختلف عن الواقع تماماً، مؤكدة أن المناظر المفزعة لا تبرح مخيلتها حتى في الأحلام، وأن تغسيل القتيلات والنساء والأطفال الذين قضوا بحوادث مروعة أكثر ما يؤلمها، وتعتبرها من أصعب الحالات في الغسل، وخاصة أن الجلد ينسلخ مع الغسيل في حالة الحروق.

وتعبر عن مشاعرها بروايات وحكايات وقصص منها المؤلم ومنها المفرح، وتجارب تستحق التوقف أمامها، مشيرة إلى أنها تتعامل مع الجثامين كما ترغب في حسن معاملتها بعد رحيلها عن الحياة، لافتة إلى أن نظرة المجتمع لا تزال قاصرة تجاه مثل هذه المهن.

وتتمتع أمينة بقلب قوي وذهن حاضر، وأخلاق حسنة وكلها صفات في مجملها لا بد من توفرها في المُغسلة، من حيث الطهر والعفة والسمعة الطيبة القائمة على رسوخ إيمانها وقيامها الدائم بالفروض الدينية، وغض طرفها وحفظ أسرار الأموات مهما كانت، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، «من غسلَ ميتاً فكتم عليه غفر اللهُ له أربعين مرةً، ومن كفن ميتاً كساه اللهُ من سندسِ وإستبرقِ الجنَّةِ، ومن حفر لميتٍ قبراً فأجنَّهُ فيه أجرى اللهُ له من الأجرِ كأجرِ مسكنٍ أسكنه إلى يومِ القيامةِ»، رواه أبو رافع.

هذا الحديث يُبين أجر المغسلة في الآخرة، فهذه المهنة أثرت فيها وأكسبتها قوة الشخصية، والتركيز على كسب حسنات العمل الصالح لملاقاة آخرتها بها، لا سيما وأن تواجدها ومشاهدتها الدائمة للأموات بينت لها بما لا يدع مجالاً للشك أن المسلم الصالح تظهر عليه آثار تقواه بمجرد موته، فتكون ملامحه جميلة ورائحته عطرة وعملية غسله وتكفينه في غاية السهولة واليسر ولا تستغرق وقتاً، نتيجة تجاوب جسمه مع عملية التغسيل بصورة تختلف عن عملية تغسيل الأموات العاديين.

وترى أمينة التي تعمل بالمهنة في بلدية العاصمة أبوظبي، أن مؤسسات المجتمع مقصرة جداً في دعم المغسلات المواطنات، أو متابعة احتياجاتهن ومصاعب عملهن، رغم أهمية دورهن في المجتمع وقلة أعدادهن، بل وأيضاً خطورة فكرة تراجع هذه المهنة وابتعاد المسلمات عنها، ما يشكل إخلالاً في مبدأ مهم في عملية الغسل والتكفين، لأن المغسلة يجب أن تكون مسلمة، إضافة إلى أن وجود مغسلة مواطنة يشكل عامل اطمئنان وراحة للمجتمع، ما يحتم على المسؤولين خلق الظروف المناسبة لاستمرار هذه المهنة بين المواطنات، عن طريق تكريمهن وإبراز جهودهن، وتعزيز صورتهم المشرقة في المجتمع بتوعيته بعظيم عملهن.

ولم تنكر أن البلدية تنظم الدورات التدريبية باستمرار للمغسلات تحت إشراف مغسلات متمكنات، لضمان صون الكرامة الإنسانية في مراحل الغسل وتحسين مستوى الأداء في المغاسل، وتثقيف المغسلات بالجوانب الشرعية والصحية للتعامل مع الموتى.

وتؤكد أنها واجهت العديد من الصعوبات ومواقف تبقى في الذاكرة، إلا أنها حريصة على عدم التحدث عن الأموات إلا بالخير على مبدأ الستر عليهم، لافتة إلى أنها رغم كل قوتها، لم تستطع استخدامها في عملية تغسيل أمها التي توفيت قبل رمضان بشهرين، وذلك لمنزلة الأم في قلوب أبنائها ولوعة الفراق، وهي التي كانت في الأمس القريب تواسي الناس في وفاة أمهاتهم، بمشاعر تتلون بين درجات الحزن والألم، وأحياناً لا تحرك في نفسها ساكناً، فالاعتيادية الوفاتية للآخرين، جعلتها تتناسى ظناً منها أنها ما زالت بعيدة عمن تحب.

وبينت أن هذه المهنة سهلة لمن يحبها، ولكن أصعب ما فيها وما يؤلم القلب الحزن الذي تشهده من أهل المتوفاة خلال الجنازة، وذلك بالطبع يؤثر عليها نفسياً وعلى حالتها المزاجية حتى بعد العودة إلى المنزل تظل المشاهد الحزينة لاصقة في ذهنها لا تتركها حتى خلال النوم، حيث تشاهد في أحلامها تكراراً لما عاشته خلال اليوم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات