زايد وحب الصقور

ارتبط اسم العربي عموماً في الخليج العربي والجزيرة العربية بالصقور أكثر من غيرها من الطيور، وفي دولة الإمارات يعدُّ الصيد بالصقور جزءاً أصيلاً من تراث الدولة وتراث الآباء والأجداد، ومن أجل ذلك فإن الدولة مهتمة بالقنص والصيد بالصقور، مثل اهتمامها بالرياضات الأخرى مثل الرياضات البحرية والفروسية وركوب الخيل.

وقد عرف عن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، أنه كان من أوائل المهتمين بالصيد بالصقور والمشجعين له، ويُروى أنه في لقاء صحافي سأله أحد الصحافيين قائلاً: تخرج يا طويل العمر في كل عام مرة أو أكثر في رحلة القنص والصيد بالصقور، رغم انشغالاتك بهموم الناس وإدارة الدولة، فهل تجدون راحة في هذه الرحلات؟

فأجاب، رحمه الله، بأن القنص لا راحة فيه، لكنه يعلّم الجلَد والصبر بعيداً عن الرفاهية والترفيه، وإن كنت تسألني فأنا أحب القنص لأنه يجمع بين الصغير والكبير. أضف إلى ذلك أننا في رحلة القنص نمر بأراضٍ وصحارى واسعة فيها من البشر من لم نرهم من قبل، فنسمع كلامهم ببساطة ونختلط بهم ونعيش حياتهم، ونستفيد منها ونستفيد من هؤلاء الذين يعيشون على الطبيعة.

نعم.. وكان للشعر منذ القدم دور في الحديث عن الصيد بالصقور، والشيخ زايد بن سلطان من أحفاد أولئك العرب الذين اهتموا بهذا النوع من التراث، بدليل أنه كتب أشعاراً في القنص والصيد بالصقور، ومن تلك الأشعار قصيدته التي بعنوان «يا طير وضبتك بتدريب»:

يا طير وضبتك بتدريب

أبغي أصاوع بك هِدادي

لِي طارن الرِّبد المهاريب

لِي ذايراتٍ من العوادي

القف لهن عساك م تخيب

واقصد لقايدهن عنادِ

خمّه براسه خمّة الذيب

وعليك ما ظني هبادِ

وخلّ الهبوب تروح وتييب

ريشٍ شعي عقب المصادِ

واللي سبج طيره بلا طيب

بيتم في حزمه ينادي

عند أخويانا والاصاحيب

كل بخبره بايسادِ

ولِي ما ضوى ودّوا له الجيب

بزهاب والطبخة عتادِ

يقال: إن هذه القصيدة من القصائد التي قالها الشيخ زايد، رحمه الله، في وقت مبكر من عمره، وهي في الحقيقة تعبّر عن نفس شاعرية مهتمة بتربية الصقور.

والشيخ زايد رغم ولعه بالمقناص والصيد بالصقور، فإنه ينظر إلى الطيور نظرة إنسانية، لذلك فإنه يخاطبه وكأنه إنسان يعقل، ورحلات الصيد في نظر الشيخ زايد، كما قال في حديثه، ليست مجرد ترفيه من غير النظر إلى العواقب.

ويروي الدكتور غسان الحسن في كتابه «حديث الفرائد من أشعار الشيخ زايد»، أن الشيخ زايد رغم حبه للقنص فإنه أصدر قراره الإنساني بمنع الصيد بالبنادق، لماذا؟

لأنه يقول: في ذات يوم ذهبت لرحلة صيد في البراري، وكانت الطرائد قطيعاً وافراً من الظباء يملأ المكان في كل ناحية، فجعلت أطارد الظباء وأرميها.

وبعد نحو ثلاث ساعات قمت أعدّ ما رميته من الظباء، فوجدتها أربعة عشر ظبياً، عندئذٍ فكرت في الأمر طويلاً وأحسست أن الصيد بالبندقية، إنما هو حملة على الحيوان يؤدي إلى انقراضه، فعدلت عن الأمر واكتفيت بالصيد بالصقر.

وهكذا يبدو الشيخ زايد في أعماله وتصرفاته وقراراته أن فيها جزءاً إنسانياً وجزءاً وطنياً وجزءاً آخر تربوياً، فهو إنسان من الطراز الأول، ومعلم مربٍّ من الطراز الأول، ووطني مهتم بالتراث من الطراز الأول.

تعليقات

تعليقات