جلال الدين السيوطي كمال العلم وبهاء الأدب

ت + ت - الحجم الطبيعي

هذا مقال نقف فيه عند عالم من علمائنا العظماء الذين ملأوا الأرض علماً ونوراً وهم في مطلع الصبا، وأثروا المكتبات الإسلامية والعربية وهم في ريعان الشباب، وظلوا مستمرين في التأليف ونشر المعرفة حتى صاروا كهولاً، إنه موسوعة عصره، الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن الكمال أبي بكر بن محمد بن سابق الدين بن الفخر عثمان بن ناظر الدين، محمد بن سيف الدين خضر بن نجم الدين أبي صلاح أيوب بن ناصر الدين محمد ابن الشيخ همام الدين الهمام الخضري السيوطي الشافعي.

الدكتور محمد حسن قسام، واعظ أول بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، يحدثنا عن هذا العالم الجليل:

المولد والنشأة

ولد في القاهرة في أول ليلة مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة، وأمه أمة تركية.

توفي والده وله من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر، وقد وصل في القرآن إذا ذاك إلى سورة التحريم– أي اقترب من نهاية الحفظ وله من العمر أقل من ست سنوات – وأسند وصايته إلى جماعة، منهم الكمال بن الهمام، فقرره في وظيفة الشيخونية، ولحظه بنظره، وختم القرآن العظيم وله من العمر دون ثماني سنين، ثم حفظ «عمدة الأحكام» و«منهاج النووي» و«ألفية ابن مالك» و«منهاج البيضاوي» وعرض ذلك على علماء عصره وأجازوه، وأخذ عن الجلال المحلي، والزين العقبي، وأحضره والده مجلس الحافظ ابن حجر، وشرع في الاشتغال بالعلم من ابتداء ربيع الأول سنة أربع وستين وثمانمائة.

يلفت أنظارنا ما ذكرناه إلى ما كان عليه سابقونا من حب للعلم والمعرفة، فلقد حفظ القرآن وهو دون ثماني سنوات، وحفظ عمدة الأحكام والمنهاج للنووي ومنهاج البيضاوي والألفية وهو لا يزال طفلاً، وتفرغ للعلم والتأليف بمؤلفات أثرت المكتبة الإسلامية والعربية وهو ابن خمس عشرة سنة، فأين نحن مما كانوا عليه من إقبال على العلم، وتسابق مع سني العمر في التأليف والنشر؟! لا مجال للمقارنة ولا المقاربة بين ابن ثماني سنين وخمس عشرة سنة في أيامنا هذه، وبين السيوطي الذي حفظ القرآن وهو دون تلك السن وحفظ أمهات الكتب في العلوم، وتصدر للتأليف وهو ابن خمس عشرة سنة، فما أحوجنا إلى أن نتأسى بالإمام السيوطي وأمثاله في تنشئة أجيالنا.

في رحاب العلم

برع الإمام السيوطي في شتى العلوم، فلم يكن متخصصاً في علم واحد، إنما كان موسوعة عصره، ونادرة زمانه، فقد برع في شتى العلوم وألف فيها، برع في التفسير وألف فيه، وبرع في الحديث وألف فيه، وبرع في مصطلح الحديث وألف فيه، وبرع في علوم القرآن وألف فيها، وبرع في علوم العربية من نحوها وصرفها وفقهها ولهجاتها وألف فيها، وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه رجالاً وغريباً ومتناً وسنداً واستنباطاً للأحكام منه، وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث، قال: ولو وجدت أكثر لحفظته، قال: ولعله لا يوجد الآن على ظهر الأرض أكثر من ذلك.

أثرى المكتبات الإسلامية والعربية بمؤلفات عديدة في شتى العلوم والاختصاصات، فلا تجد علماً إلا وقد ألف فيه، ولا يخفى هذا على أي طالب علم في أي اختصاص اختاره؛ لأنه سيجد أن السيوطي حاضر في اختصاصه بكتبه التي ألفها، ولا عجب في ذلك إذا عرفنا أنه تفرغ للعلم والتأليف وهو غلام يافع.

وفي الحقيقة لا يمكن لي أن أعدد الكتب التي ألفها السيوطي؛ لكثرتها، فقد ألف نحو ستمائة كتاب ورسالة بين مطول وموجز في الفقه والتفسير والحديث وتاريخ القرآن والتاريخ والنحو وطبقات النحاة والمفسرين وفي اللغة وفقهها، وفي علوم البلاغة، وحتى الإنشاء ألف فيه.

ولو أننا قسمنا ما أنتجه من كتب ومؤلفات على سني عمره لكان معدل ما يؤلفه في العام الواحد ما يقرب من خمسة عشر مؤلفاً، وفي هذا وحده مكرمة من الله لهذا العالم الجليل.

وقد اشتهر الإمام السيوطي بالتقوى والزهد والورع والإقبال على الله والانقطاع عن الدنيا وشواغلها، وآمل من شبابنا أن يعودوا إلى قراءة مسيرته العلمية والسلوكية رحمه الله قراءة موسعة؛ رجاء أن يكون ذلك حافزاً لهم على الإقبال على العلم والمعرفة.

طباعة Email