دفاع الفاروق عن حقوق أهل الذمة 2

ت + ت - الحجم الطبيعي

ما أَرْوع ذلك الاستنباطُ الذي اْستنبطه عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في شأْنِ الأرض الزراعية التي أُخذتْ من غير المسلمين عَنْوةً مؤدَّاه أنّ الأرض في هذه الحالة لا تدخل في آية الغنيمة التي تقتصر على المنقول فقط بل إنّها داخلة في آياتِ الفيء الّتي تؤكّدِ أنها للناس جميعاً إلى يوم القيامة.

ومن هنا، كان موقف جمهور الفقهاء من هذا الاستدلال العُمَري أنّه مبنيٌ على الربَّط بين آيات الفيء في سورة الحشر بواو العطف والتي تقتضي الاشتراك في الحكم، بمعنى أنّ هذه الآيات المتعاقبة الّتي استدل بها عمرُ من الآية السابعة إلى الآية العاشرة يَلْزم أن يكون بينها ارتباط توجيهه: مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ... (الآية 7) ولِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ (الآية 8) وللأنصار وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ... (الآية 9) وللتابعين ومن تَبِعَهمْ إلى يوم الدين لقوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ... (الآية 10).

أي للأمّة كلِّها، وإنما خَصَّ القرآنُ بعض الأصناف بالذّكر للأحقيَّة والمزيد من الاهتمام، وفي ضوء ذلكَ اتخذ عمر قراره التاريخي متّفِقاً مع رأي كبار الصحابة وبُعِثَتْ الأوامرُ إلى قادة الجيش أن تُتْرك الأراضي بأيدي أهلِها الأصليّين من أهل الذمّة من اليهود والنصارى والمجوس على أنْ يدفعوا خراجها لبيت المال لِيُصْرف في وجوه مصالح الأمة.

رسالة عمر

ويُعدُّ عمر أولّ مَنْ وضع الخراج في الإسلام كما قال الطبري وغيرُه، أما المقاتِلون فليس لهم إلا ما غنموه من المنقول.

وهذه رسالة عمر إلى سعد بن أبي وقاص: "أما بعد، فقد بلغني كتابُك أن النّاس قد سألوا أن تَقْسم بينهم غنائمهم، وما أفاء الله عليهم، فإذا أتاك كتابي فأنظروا ما أجْلبوا به عليه في العسكر بين كراعٍ أو مالٍ فاقسمه بين من حَضر من المسلمين واترك الأَرضْين والأنهار لعمَّالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين. فإنّا لو قسمناها بين من حضر لم يكن لمن بعدهم شيء.

على خطى عمر

والجدير بالذكر أنَّ الخلفاء من بعد عمر قد سلكوا هذا المسلك وأَفتى به جمهور الفقهاء، وفي أحكام القرآن التأكيد على أنّ الأرض ليست داخلةً في الغنيمة لما ثَبَت عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنّ الغنيمة مما اختَصَّتْ به هذه الأمَّة.

وقد كانت محرَّمةً على من كان قبلها من الأمم. ولمّا كانت ديار الكفر وأرضهم حلالا لهم بدليل وعْد الله لبني إسرائيل بها يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ دلّت على أنّ الأرض ليست داخلة في آية الغنيمة.

الأرض المغنومة

أما التأكيد في آية الغنيمة وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ بـ"ما" و "مِنْ" فإنّما هو لمناسبة نزولها في غزوة بدر فقد بادر البعض إلى الغنيمة قبل أن ينزل من الله سبحانه وتعالى بيانُ حكمه فيها.

وممَّا يدل على اقْتصار الغنيمة على المنقول: تصرّفُ النبي، صلى الله عليه وسلم، في فتح مكّة حيث إنه ترك لهم دُورهم وغنائمهم لأنّ قسمةَ الأرض المغنومة ليست ملزَمَة فضلاً عن أنّ مكة ذات خصائص فهي ليست كغيرها من البلدان لأنّها دار العبادة والنُّسك.

رؤية عمر

قد يُقال: إنّ تضييق مفهوم الغنيمة واقْتصاره على المنقول تضييقٌ لموارد بيت المال ممّا يؤثّر في المصلحة العامّة بل الصّحيح هو العكس، فإن القرارَ العمري بترك الأراضي بأيدي أهل الذمّة وفرض الخراج العادل عليهم قد فتح للمسلمين مورداً جديداً لم يُعهد في الإسلام، وتكشف قوائمُ بيت المال في عهد عمر والعهود الّلاحقة ما لهذا القرار من أثرٍ في إثراء بيت المال، وخاصّة من ضريبةِ الخراج، بل كانت هذه الضريبة مثالاً وأساساً لتطوّر الأموال العامّة عموماً في ضوء الاجتهاد وسبباً لدخول أهل الكتاب في دين الله تِباعاً إقراراً للعدالة العمرية.

* أستاذ جامعي وإعلامي

طباعة Email