معاذ بن جبل أعلم الأمة بالحلال والحرام

ت + ت - الحجم الطبيعي

«أعلم أمتي بالحلال والحرام» هذه شهادة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في واحد من الرجال الذين أراد الله بهم خيراً، ففقهه في الدين، وآتاه علماً وحكمة. إنه معاذ بن جبل، الذي عُرف برجاحة العقل وقوة الحجة وروعة البيان. وكان إلى جانب ذلك قسيماً وسيماً أكحل العينين براق الثنايا.

عدنان حسن الخطيب، واعظ أول في دائرة الشؤون الإسلامية والأوقاف بدبي، يحدثنا عن مآثر هذا الصحابي الجليل:

أسلم معاذ على يد الداعية الجليل مصعب بن عمير، وشهد ليلة العقبة مع السبعين الذين قصدوا مكة، ليسعدوا بلقاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويشرفوا ببيعته. ويعود معاذ إلى المدينة داعياً إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى شبهه الصحابة في علو همته بإبراهيم عليه السلام وكانوا يقولون: إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً.

لازم معاذ النبي، صلى الله عليه وسلم، ملازمة الظل لصاحبه، فأخذ عنه القرآن، وتلقى عليه شرائع الإسلام، حتى غدا من أقرأ الصحابة لكتاب الله وأعلمهم بشرعه. وحسبه فضلا وشرفاً أنه كان أحد النفر الستة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وما أروعه من موقف يسبي العقول ويأخذ بالقلوب! يوم أخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بيد معاذ وقال له: «يا معاذ والله إني لأحبك والله إني لأحبك»، فقال معاذ: بأبي أنت وأمي والله إني لأحبك يا رسول الله..

لقد خبُر النبي، صلى الله عليه وسلم، شخصية معاذ الفذة وما تنطوي عليه من طاقات هائلة، فأظهر مكانته، وأحسن توجيهه وشد عزيمته، فقال، صلى الله عليه وسلم، عنه: «إن معاذ بن جبل أمام العلماء رتوة» أي منزلة. وقال: «خذوا القرآن من أربعة من ابن مسعود، وأبي، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة».

ولذلك وضع النبي، صلى الله عليه وسلم، هذه الطاقة العلمية الفريدة في خدمة الإسلام والمسلمين، فاستبقاه في مكة بعد الفتح، يعلم الناس القرآن ويفقههم في دين الله تعالى. ولما جاء أهل اليمن يعلنون إسلامهم، ويسألون النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يبعث معهم من يعلمهم دينهم، انتدب النبي، صلى الله عليه وسلم، لهذه المهمة نفراً من خيرة أصحابه، وأمَّر عليهم معاذ بن جبل.

وفي خلافة الصديق، صلى الله عليه وسلم، تاقت نفسه للجهاد في سبيل الله وهو الذي شهد المشاهد كلها مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجاء يستأذن الصديق في الخروج إلى فتوح الشام، فاستوقفه عمر، رضي الله عنه، وهو يدرك الفراغ الذي سيحدثه، وقال عمر يومها: لقد أخل خروجه بالمدينة وأهلها في الفقه، وفيما كان يفتيهم به، ولقد كنت كلمت أبا بكر أن يحبسه لحاجة الناس إليه، فأبى عليّ وقال: رجل أراد وجها، يعني الشهادة، فلا أحبسه. قلت: إن الرجل ليرزق الشهادة وهو على فراشه. ولكن معاذا كان يدرك الهدف الذي يسعى إليه وهو الدعوة إلى الله تعالى، فوقف خطيباً في الناس يوم أجنادين فقال: يا معشر المسلمين اشروا أنفسكم اليوم لله فإنكم إن هزمتموهم اليوم كانت هذه البلاد دار الإسلام أبداً مع رضوان الله والثواب العظيم من الله.

وفي خلافة الفاروق كان عمر، رضي الله عنه، يدرك تلك المنزلة العلمية الرفيعة التي حظي بها معاذ فكان يستشيره كثيرا، وكان يقول: «لولا معاذ بن جبل لهلك عمر». ومع ذلك فقد بعثه على رأس نفر من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى الشام يعلم الناس القرآن. ثم استخلفه عليها بعد وفاة أبي عبيدة، رضي الله عنه، بطاعون عمواس، ولكنه أصيب أيضاً بذلك الوباء. ولما حضرته الوفاة استقبل القبلة وقال: اللهم إنك كنت تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لغرس الأشجار وجري الأنهار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. وفاضت روحه الطاهرة بعيداً عن الأهل والعشير، داعياً إلى الله، مهاجراً في سبيله.

طباعة Email