الأمهات أمينة شكري وفاطمة محمد في ضيافة المصممة آية البيطار

الأثاث الشرقي.. جوهر الإبداع العاشق لهوية التراث الإسلامي

كبار المواطنين هم سارية الوطن وشراعه المخضب بالتقاليد والإرث العريق، مداد الأخلاق وحبر الوطنية الخلاصة، فقد كرسوا حياتهم للنهوض بالوطن وبناء أجيال تنبض قلوبهم بالهوية، تقاطعات جيل ما بعد الألفية تشد وثاق سفنها «أدقال» أجيال الاتحاد لتنقلها إلى شواطئ الثقافة العالمية وإيقاعها الذي يتجلى بالمعاصرة والمحافظة على الموروث، فنحن لا نعيش بين زمنين، بل نصنع لحظاتنا بين ذكريات استثنائية وإنجازات تستشرف المستقبل.

المصممة آية البيطار اختارت حي دبي للتصميم لتبدأ مشوارها الفني في مجال تصميم الأثاث العصري المستوحى من عراقة التراث الإسلامي ومفرداته اللونية المتعددة على امتداد الوطن العربي، انطلاقاً من ارتباطها بموطنها الأم المملكة العربية السعودية، إلى جانب تاريخ منطقة الخليج العربي براً وبحراً، وبمناسبة الشهر الفضيل، لبت الوالدة أمينة شكري وصديقتها الوالدة فاطمة محمد ومجموعة من عضوات نادي ذخر الاجتماعي لكبار المواطنين والتابع لهيئة تنمية المجتمع بدبي، دعوة المصممة آية لزيارة دارها «ذا آرت أوف ليفينج» والمتخصصة في تصميم المنتجات والمفروشات.

كسر الحدود

وفى السياق، تقول آية البيطار: تلقيت تعليمي الجامعي في المدرسة الجديدة للتصميم في نيويورك. ومن خلال عملي، دمجت التراث بالحداثة لتقديم منتجات فيها انصهار الشرق بالغرب، وتركز على كسر الحدود الثقافية بمفاهيمها المثيرة للتأمل، وفي عام 2015 أطلقت أول مجموعة من وسائد الجلوس الأرضية في إصدار محدود، وتنبثق من جوهر إبداع الحرفة التقليدية العربية، حيث تعزيز عناصر الشكل والوظيفة ذات الصلة بالنسيج الثقافي المتوارث عبر الأجيال، ومن خلال عصرنة قوالبها وتجديد وظائفها لتواكب تقنيات الصناعة العالمية لأثاث يحمل هويتنا ويعبر عنا.

وعبرت الوالدة أمينة عن إعجابها بالتصاميم الحديثة التي تنتجها آية، بكثير من الإتقان المفعم بروح الابتكار الشغوف بالتراث، خاصة بقدرتها على لعب دور مؤثر في التعريف بتاريخنا وحضارتنا بأسلوب يضفي لمسة فنية وعملية على روتين الحياة اليومية، وسعيها لبلوغ آفاقٍ جديدة من شأنها تعزيز التواصل بين عادات وتقاليد الماضي وأفكار الحاضر والمستقبل المتجددة.

نبض الحداثة

وتضيف الوالدة فاطمة إن تصميم حامل القرآن برؤية المصممة آية البيطار يدعو إلى التأمل والتقدير وينبض بالحداثة والرقيّ، كما يجسّد هذا الابتكار فكرة التواصل بين المجتمعات، ويقدّم عنصراً بديعاً يزيّن المنازل بأسلوب فريد، كما أن مجموعة ركن الصلاة تبتكر حلولاً عملية للتخزين والمساعدة في تسهيل خطوات الصلاة والخشوع، وهي مزينة بخشب الجوز الصلب، وتبرز من الركن عمدان غير متناظرة تشكل حمالات للملابس.

كما يتيح هذا المنتج المبتكر للرجال ارتداء الثوب التقليدي، حيث يمكنهم الاحتفاظ بالغترة دون أن تتجعد. كما تم تزويد هذا المنتج بقطعة خشبية مستطيلة الشكل فوق الأنبوب الحديدي الذي يحمل الأغراض الشخصية كالمفاتيح والهاتف النقال والمجوهرات.

أما الأحذية فيمكن وضعها ضمن الصندوق الخشبي حتى نهاية الصلاة. وبدلاً من لف وطيّ سجادة الصلاة، يمكن وضعها داخل الجيب الجلدي حتى موعد الصلاة التالية.

ومن جانب آخر، تشير الوالدة أمينة إلى أن تصميم الجلسات العربية نال إعجابها بعد تجربتها برفقة المصممة آية والمصنوعة من الفرو ومادة السبرينج بوك، وهي من جلد نوع من أنواع الغزال الموجود في أفريقيا الجنوبية وقابل للتلوين، وهذه الجلسات على شكل مقعد دراجة وحرصت على زخرفتها برسومات مستوحاة من قصص النساء، وتتميز هذه الجلسات بأنها خفيفة الوزن والخامات المصنعة منها قابلة للتنظيف بسهولة.

ابتكار منتج

وتقول المصممة آية: هناك فروق واضحة بين التصميم والديكور، على الرغم من أنهما مكملان لبعضهما، وتضيف: «يتميز التصميم بأنه عملية إبداع أعمق مما هو موجود في الديكور، إنه ابتكار منتج من الصفر.

أما الديكور، فعلى الرغم من أنه يتطلب شيئاً من الإبداع نفسه، فإنه يتطلب استخدام منتجات متوافرة، ووضعها بطريقة تناسب احتياجاتك». وللتصميم من وجهة نظرها تصنيف خاص ذكرته في سياق إجابتها عن سؤال الوالدة أمينة: هل التصميم فن بحد ذاته أم وسيلة لإضفاء المكملات على الديكور؟ فتقول: «على الرغم من أنه بإمكان الفن والتصميم أن يسيرا جنباً إلى جنب، ولكن بالنسبة لي فإن الفارق الوحيد يكمن في وظيفة كل منهما. الفن لا يحتاج إلى أن يؤدي وظيفة. أما التصميم فيجب أن يكون له وظيفة، وإلا ما عاد تصميماً».

تقنيات معقدة

تعتقد الوالدة فاطمة أن التقنية الدقيقة للفن الإسلامي تميزه عن غيره من الفنون الأخرى، حيث يعتبر هذا الفن الهندسي الذي طُوّر في ظل العالم الإسلامي، من أكثر أشكال الفنون الهندسية تعقيداً على مر الأزمنة.

إذ تعدّ أنماط هذا الفن في قمة الروعة والجمال ومن أكثرها إثارة للإعجاب. ويرجع سبب ذلك في معظمه إلى التعقيد والتفرد الذي يسودها ويميزها، إذ كلما ازداد حجمها وتعقدت تفاصيلها زاد سحرها وجمالها. وهذا التعقيد والتفرد بالتحديد الذي يجعل السؤال التالي يتبادر إلى أذهان الجميع: كيف تمكنوا من صنع ذلك؟

أصالة المورث

في ختام الزيارة أكدت المصممة آية، وهي تودع الأمهات وتشكرهن على حضورهن إلى دارها المخصصة لتصميم الأثاث والإكسسوارات، أن التصاميم التراثية تظل مسرحاً درامياً هاماً لإطلاق تشكيلات عصرية، كونها تشتمل على توليفة متباينة من الزخارف والرسوم والنقوش نجدها سمة أساسية وهوية الفن الشرقي المتمثلة في التراث العربي الإسلامي، هذه التفاصيل الثرية والمنمنمات الدقيقة تخلق وتيرة أقرب ما تكون إلى الحركة والانسيابية والإيقاع الحسي البصري الذي قد نتحسس عند النظر إليه، وهي تحمل في طياتها فلسفة خاصة، فتجعلنا نقف على أعتاب هذا النمط من الأزياء، الذي ما زال ينبض بكل حميمية ودفء، ويرسم صورة لقاعات القصور والأبنية التراثية القديمة التي تنطق بالأصالة والفخامة.

وترى آية أن عصرنة عناصر الأثاث التراثية وقوالبها، ونقلها من المحلية إلى العالمية، لا بد أن يحمل بين طياته نبضات الماضي وأصالته وألوانه ومحدوديته المتفردة مع إدخال تعديلات وتغييرات شكلية على فكرة المجموعة باستخدام خامات وأدوات بسيطة تخلق نوعاً من التجديد وتعبر عن الطابع الشخصي، وتعكس جاذبية المواد الجديدة والرسومات الرقمية الذكية، والحبكات المبتكرة. وتتماهى مع الحدود الفاصلة بين التدرجات اللونية.

اقتباس عصري

الديكور المطعم بروح الشرق وعبق المورث الغارق في تقاليد الحرف اليدوية لم يغب عن موضة التصاميم العصرية للقطع أو ديكور المنازل بوجه عام، خاصة أن كثيراً من المصممين في العالم العربي وضعوا بصماتهم من خلال قطع أيقونية اشتهرت في العديد من الدول الغربية. واليوم يسعى الكثير من المصممين في جميع أنحاء الوطن العربي إلى تأكيد الارتباط بالهوية وأدواتها الشرقية القائمة على الحضارة الإسلامية ذات الصلة بكثير من الحضارات.

ومن هنا ظهر مفهوم معاصر يؤكد على ضرورة تواصل المزج والدمج والاستفادة من عالمية الفنون، والتعبير عن هذا التراث العريق من خلال طرح العديد من التصميمات التي تغذي ذلك الشعور العميق بالانتماء، فمجموعة الأثاث وقطع الديكور إلى جانب الإكسسوارات المقتبسة من التراث العربي هي من أساسيات مكونات الجمال في التزيين. فهي تضفي على الأجواء فخامة تمتزج بالبساطة، فيما تؤدي في ذات الوقت وظائفها العملية.

تكوين نحتي

تعتقد المصممة آية البيطار أن الحركة لا يمكن أن تقحم في العمل الفني، وإنما ينبغي أن تكون الحركة جزءاً حيوياً في تجربة المشاهد، لطبيعة العمل المصنوع من العديد من المواد في كثير من الأحيان ومنها من الزجاج والمعدن والشريحة البلاستيكية والخيوط البلاستيكية، وهذه التكوينات رغم تجريديتها المفرطة لا تغادر السمة الشخوصية في التكوين النحتي المعاصر، وبالتالي تسعى ابتكاراتنا كفنانين إلى اختبار مخيلتنا نحو أشكال نتشاركها مع الجمهور، خاصة أن الكثير من النحاتين ينتمون إلى فئة الفنان التجميعي الذي يجعل من النفايات المتنوعة المتخلفة عن نشاطات أخرى أو الأشياء المصنعة لاستخدامات غير فنية، يقوم الفنان التجميعي بتحويلها من ووظائفها الأولية إلى وسائل وغايات واتجاهات أخرى، مكوناً علاقات جديدة.

حرفية الدمج

الدمج بين عناصر التصميم المعاصرة يسهم في تقديم جيل جديد من أنماط متنوعة، تمتاز بأحجام أكبر وأكثر تعقيداً من مثيلتها التقليدية. وهذا أمر يعتبره المحترفون القدامى حلماً لم يكن من الممكن تحقيقه على أرض الواقع، حيث تم تهيئة الظروف الملائمة لقيام نهضة في الأنماط الهندسية، وتمكين التقنية من اللحاق بركب التفاصيل المعقدة للأشكال الفنية، ويمكن رؤية الأنماط الهندسية خلال السنوات العشرين المقبلة تدخل أكثر في التصاميم الفنية بكل أشكالها في صناعة يملأها التنافس والتحدي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات