آيس كريم دكان الفريج.. طفولة الزمن الجميل «عابرة للقارات»

كبار المواطنين هم سارية الوطن وشراعه المخضب بالتقاليد والإرث العريق، مداد الأخلاق وحبر الوطنية الخلاصة، فقد كرسوا حياتهم للنهوض بالوطن وبناء أجيال تنبض قلوبهم بالهوية، تقاطعات جيل ما بعد الألفية تشد وثاق سفنها «أدقال» أجيال الاتحاد لتنقلها إلى شواطئ الثقافة العالمية وإيقاعها الذي يتجلى بالمعاصرة والمحافظة على الموروث، فنحن لا نعيش بين زمنين، بل نصنع لحظاتنا بين ذكريات استثنائية وإنجازات تستشرف المستقبل.

 

نكهة الأيس كريم المتعدد النكهات والمعد بأحدث التقنيات الحديثة، وسط تجربة قضاء يوم مرحلة برفقة أصدقائه من نادي زخر الاجتماعي التي باتت تعانق المعاصرة في أزهى صورها بمساحاتها الترفيهية الشاسعة، ومنها الواجهة البحرية «لامير» على ضفة منطقة الجميرا، كانت زيارة المكان بمثابة حلم ساحر للوالد إبراهيم عيسى والذي يجدد الحنين لطفولة الفرجان وأحياء مدينة دبي القديمة، ومذاقات ايس كريم دكان الفريج طفولة الزمن الجميل العابرة للقارات

بديل جريء

على الممشى المقابل للشاطئ اجتمع الوالد إبراهيم وكل من الوالد صالح البلوشي وأحمد البستكي، وامتلأت الأجواء بصوت ضحكاتهم الغارقة في الحنين لذكريات الزمن الجميل، وفي تلك اللحظة اقترح الوالد إبراهيم أن يدعوهم لتناول «المبرد» أو الأيس كريم، ولكن على الطريقة الحديثة بداخل مطعم «ستريت باي غوسيب» Street by GOSSIP الذي يقدم مشهداً جديداً نابضاً وحيوياً المغاير تماماً للمفهوم الطعام الآسيوي، ومأكولات الشوارع الممزوجة مع الأطباق الآسيوية والإماراتية لكنه أكثر تمرداً، وهو بديل جريء لأنماط المطاعم الكلاسيكية.

ثقافة الشارع

جذبت ديكورات المطعم الوالد المستوحى من ثقافة الشارع الوالد أحمد البستكي والمزين بالنيون الفسفوري ذي اللون الأحمر والأزرق والبنفسجي، والذي يعج بلوحات خفيفة الظل للفنون السريالية التي اتخذت من الحقائب والأحذية البيضاء بالكامل عنواناً لها، وأفرغت مساحات عبرها للزوار للتوقيع وكتابة كلمات توثق مرورهم في هذا المكان، وتستكمل البيئة الحيوية والعصرية كذلك من خلال الكراسي المتأرجحة على الطاولات.

واختار الوالد صالح البلوشي أن يجلس هو وأصدقاؤه في الطاولات الخارجية المطلة على الممشى الشاطئ، ونسمات الهواء العليل تداعب أرجاء المكان، وهنا حضرت النادلة لتدوين الطلبات بعد اطلاعهم على قائمة الطعام التي تتضمن مزيجاً من المأكولات الإماراتية والآسيوية التي تنبض بالحداثة من خلال مذاقاتها وفكرة تقديمها، وهنا لمعت فكرة إرجاء تناول الأيس الكريم إلى وقت لاحق بعد تجربة مقترحات النادلة.

حديث الفريج

ولكن الحديث عن فكرة الآيس كريم في منتصف نهار حار ومشمس في الماضي استحوذت على جلسة النقاش المفعم بالأحاديث عن الفرجان والألعاب الشعبية والجيران والعلاقات الوطيدة التي كانت تغلفها البساطة بالحياة اليومية، خلال حقبة السبعينات والثمانينات، فالجميع شغوفون بفكرة الاهتمام والرعاية وتوجيه النصح للأطفال.

ويلتقط أطراف الحديث الوالد إبراهيم قائلاً: لم تكن المثلجات أو الآيس كريم بشكلها المعروف متداولاً في ذلك الوقت فكانت مكوناتها بسيطة للغاية وهي عبارة عن عصير الفواكه والحمضيات، وتطورت فيما بعد لتشمل البيبسي كولا أو الحليب، ويتم تعبئتها في أكياس بلاستيك وتزج في البراد العلوي «الفريزر» إلى أن تتجمد، ومن ثم تصيح جاهزة للتناول.

حلوى البساطة

ويضيف الوالد أحمد: كنا نبتاع تلك المثلجات بعد صلاة العصر من أحد الدكاكين المنتشرة في الفريج، أو من بعض النسوة اللواتي تخصصن في صناعة الحلويات البسيطة ومن ضمنها المثلجات، حيث كان امتلاك ثلاجة مزودة بقسم علوي لتجميد الماء أو الأطعمة غير منتشر أو في متناول جميع العائلات كما هو اليوم، وكان الكيس الواحد يباع بسعر زهيد قد يصل إلى ربع أو نصف درهم، وكانت نكهة التوت أو الفراولة من الأنواع المفضلة لدي على المستوى الشخصي.

ويؤكد الوالد صالح أن الحلويات بشكلها الحالي المتنوع النكهات والأشكال لم يكن متوفراً على أيامنا، لذا كانت من المواظبين على شراء «المبرد» بشكل يومي كما كان هو الحال مع إخوتي الأكبر منى سناً، ولقد أحضرت يوماً ما لوالدتي إحدى نكهات تلك المثلجات إلى جدتي، التي استنكرتها في البداية ولكن بعد أن تذوقت برودتها المحببة باتت من المواظبين عليها، ولكنها امتنعت عنها بطلب من الطبيب نظراً لحالتها الصحية فارتفاع السكر وقف حائلاً بينها وبين مثلجاتها الأثيرة.

تاريخ المثلجات

ويوضح الوالد إبراهيم أن المبرد ليس فكرة جديدة أو مرتبطة بطفولتنا في الإمارات أو الخليج، فهي تعود إلى 3000 سنة قبل الميلاد، فقد عرفت الحضارات القديمة تقنيتها واكتشفت مزح بعض أنواع الفواكه بالثلج ويرجح الكثير من المؤرخين أن إصلها يعود إلى منطقة آسيا وتحديداً في زمن الإسكندر الأكبر الذي يقال إنه كان يفضل إضافة العسل للثلج الذي كان يعتبر من مخصصات الملوك والأباطرة والأغنياء.

ويشير الوالد أحمد أن «دوندورما» كانت أيضاً من المثلجات التي لا يمكن نسيان مذاقها وقوامها المرن المتميز بالسماكة ومقاومتها للذوبان، نظراً لمكونتها الأساسية من الحليب والسكر والسحلب والمستكة، ويُرجع الباحثون أصلها لمدينة «مرعش»، في جنوب تركيا، وانتشرت في جميع أنحاء العالم العربي منذ زمن الإمبراطورية العثمانية.

عالمية النكهة

يكمل الوالد صالح من حيث بدأ الحديث عن عالمية المثلجات وارتباطها بثقافة المجتمع والمكونات التي تدخل في صناعتها وهي في الأغلب تكون من وحي بيئة بلد المنشأ ومنها «البوظة الشامية» التي يعود تاريخها إلى أكثر من 200 عام والتي ابتكر مكونها بائع عصير متجول في دمشق يدعي محمد بكداش من مستخلصات نبات بري يعرف بـــ«المسحلبة» وهو الأساس لقوام البوظة العربية اللامع والمتماسك، وبعد العديد من التجارب الفاشلة نجحا أخيراً في ابتكار وصفته الشهيرة إلى يومنا هذا والتي انطلقت عبر دكان صغير في سوق الحميدية بدمشق وكان موقعة الأول معروفاً لدى الجميع، حتى إن كثيراً من المسافرين وعابرين في ذلك الوقت كان الطبيعي أن يتوقف لدى محله لتجربة هذا الاختراع العجيب.

وصفات تراثية

يعتقد الوالد إبراهيم أن وسائل التواصل الاجتماعي تناقلت قبل فترة خبر طرح أحد الشباب الإماراتيين لفكرة جديدة تدور في فلك تطوير نكهات المثلجات وإعطائها صبغة محلية عبر مكوناتها العضوية دون إضافة مواد حافظة أو ملونات، فهي تقوم على الفواكه الطازجة، وبالتالي هي أقل دسمة وضرارا كغيرها من الأنواع التي يدخل في تكونها الحليب الكامل الدسم والقشطة ما يجعلها صحية تماماً، وحظي هذا الابتكار بتشجيع من صندوق الشيخ خليفة لتطوير المشاريع نظراً لجاذبية الفكرة التي تدخل في مكوناتها أيضاً بعض أشهر المأكولات التراثية، إلى جانب مثلجات بطعم الحلويات الشرقية المعروفة لدى الجميع كالبقلاوة والكنافة.

نوق آيس

تشجيع المنتجات المحلية من أهم الواجبات التي يجب علينا كمواطنين الحرص على تأديتها من خلال دعم الصناعات الإماراتية الحديثة، لذلك قمت بتجربة آيس كريم مصنوع من حليب النوق، وهو من المنتجات الغذائية التي نعتز بها وتدخل ضمن تقاليدنا العريقة المتوارثة عبر الأجيال، ولا يخلو منزل إماراتي منه، حيث يمتلك حليب النوق العديد من الفوائد المهمة إلى جانب قيمته الغذائية العالية، لذلك فهو محل اهتمام جميع أفراد العائلة، لما يحتويه من فيتامينات متنوعة، تقوي المناعة

في دراسة أجرتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، وجدت أن حليب الناقة يحتوي على كمية من (فيتامين ج) أكثر بـ3 أضعاف من الكمية الموجودة في حليب البقر، كما أنه غني بالبروتين والدهون. وفي الحقيقة، فإن التركيب الجزيئي للبروتين مشابه للأنسولين، مما يجعل حليب الناقة يحتوي على خصائص مقاومة للسكري أيضاً.

خلطة صيني

أباطرة الصين هم أول من قاموا بعمل الآيس كريم من ثلوج الجبال بخلطها مع الفواكه المختلفة والعسل، وذلك لخلق طعم ممتع يناسب أوقات استرخائهم. وفي عام 1295 قام الرحالة ماركو بولو، بجلب خلطة الآيس كريم من الصين إلى إيطاليا، حيث بدأ أغنياء إيطاليا يضيفون اللبن على الثلج لينتج آيس كريم من اللبن المثلج. وفي عام 1533 عندما أصبحت الأميرة الفلورنسية كاثرين، ملكة فرنسا عقب زواجها من الملك هنري الثاني ملك فرنسا، انتقلت معها خلطة آيس كريم اللبن المثلج من إيطاليا إلى فرنسا، وبعدها أصبح عدد من طهاة فرنسا ينتجون الآيس كريم بطعوم لذيذة، كما قام أحد هؤلاء الطهاة بافتتاح محل لبيع الآيس كريم المضاف إليه نكهات مختلفة مثل الشوكولاته والفراولة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات